فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 231

والذي لا شكَّ فيه أن أولئكَ الرؤساءَ الذين عَادَوه وحَسَدوه، لم يكونوا يَصْدُرون في عداوتِه وحسدِه عن الجهلِ بفضله، ولا اشتباهٍ في أمرِه، إنما كانوا يَصدُرون عن قلوبٍ رَأَت محمدًا، وقد سَمَت به رسالتُه إلى علياءَ لن ينالوها، ورفعة اللهِ إلى عزةٍ قعساءَ، ما لهم إليها من سبيل؛ لأنها هبةُ اللهِ وفضلُه.

لذلك يقولُ - زعيمُ أعدائه وحسَّاده - أبو جهلٍ:"كنَّا وبنو هاشمٍ كفَرَسَي رِهَانٍ: يُطْعِمون فنُطعِم، ويُكرِمون فنُكرِم، حتى إذا قالوا: منا نبِيٌّ، فأنَّى لنا بهذا؟ واللهِ لا نُقِرُّ لهم بها".

ذلك أن أبا جهلٍ وشيعتَه من حزبِ الشيطانِ - لعنهم الله - عَرَفوا القرآنَ، وفَهِموه، وعَلِموا أنه من عندِ اللهِ لا من عندِ البشرِ، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سيكتسح حقُّه باطلَهم، وأنه سيهزُّ العالَم كلَّه بهذا الدين الجديد، هزةً يَبقَى ذكرُها إلى آخرِ الدهر - فحسدوه لذلك الشرفِ الذي أكرمه الله به، وبَغَوا عليه لهذا الحقدِ الذي كان يأكلُ قلوبَهم، ومن ثَمَّ تعرفُ السرَّ في مسارعةِ العربِ إلى الإيمان بالرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وتفانيهم في تأييدِه ونصرِه، في حياتِه وبعد موته، وتعرفُ السرَّ في دخولِ أممِ الغربِ في الإسلام حين جاءهم به أولئك العربُ محاطًا بهالةٍ من إيمانِهم وصدقِهم، وكريمِ أخلاقِهم، وتحرِّيهم العدل والرحمة مع الأبعدين والأقربين، فقَارَنوا بينه وبين ما هم عليه من انحلالٍ وفسوقٍ وفسادٍ وظلمٍ؛ فدَخَلوا في دين الله أفواجًا.

يدلُّ على ما قلنا من اصطفاء الله واختياره: ما روى رَزِينٌ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"منَ كان مستنًّا فليَستَنَّ بمَن قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنةُ، أولئك أصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفضلَ هذه الأمَّةِ، أبرَّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلفًا، اختارهم الله لصحبةِ نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولإقامةِ دينِه، فَاعَرِفوا لهم فضلَهم، واتَّبِعوهم على آثارِهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقِهم؛ فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم".

ومن أوضحِ ما يدلُّ على أن هذا الاصطفاءَ لم يكن عبثًا، وإنما كان عن أهليةٍ فضَّلهم اللهُ بها: ما ظهَر من آثارِ هذه الأهليةِ في حياة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد موتِه.

وما يرويه ابنُ جَرِير الطبري في التاريخ، عن موقف المسلمين - بقيادة سعد بن أبي وقَّاص - من الفرسِ؛ لهو صورةٌ مصغَّرةٌ لهذه الأمّة الكريمةِ، تصوِّر لك العزَّةَ والشهامةَ والثباتَ، أمامَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت