فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 231

الخوَرِ والاضطرابِ المُسَرْبَل بالحريرِ والذهبِ، والغارقِ في بحرٍ من التَّرَفِ والغرور، وهذه القصةُ تعتَبَر وصفًا شاملًا لِما حَصَل قبل موقعةِ القادسية، وهي طويلة لا يَحتَمِلها نطاق المجلةِ؛ فليرجِع إليها مَن شاء.

ولكن طولَها لا يَمنَعُنا من إيرادِ موقفٍ رائعٍ من مواقفِها حَدَث بين النعمان بن مُقرِّنٍ - وكان على الوفدِ، الذي انتُدِب لمفاوضة ملك الفُرْس - وبين هذا الملك، فقد قال الملك لترجمانِه:"سَلْهُم ما جاء بكم، وما دعاكم إلى غزونا، والولوع ببلادِنا؟ أمن أجلِ أنَّا أَحجَمناكم وتَشَاغَلنا عنكم، اجتَرَأتم علينا؟"، فقال لهم النعمان بن مُقرِّنٍ:"إن شِئتُم، أجبتُ عنكم، ومَن شاء آثرتُه، فقالوا: بل تكلَّم، وقالوا للملكِ: كلامُ هذا الرجل كلامُنا، فتكلَّم النعمان، فقال: إن اللهَ رَحِمنا؛ فأَرسَل إلينا رسولًا يدلُّنا على الخيرِ ويأمرُنا به، ويعرِّفنا الشرَّ ويَنهَانا عنه، ووَعَدنا على إجابتِه خيرَ الدنيا، فلم يدعُ إلى ذلك قبيلةً إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربُه، وفرقة تباعدُه، ولا يدخلُ معه في دينِه إلا الخواصُّ، فمَكَث بذلك ما شاء الله أن يَمكُث، ثم أمره الله أن ينبِذَ إلى مَن خالفه من العرب؟ وبدأ بهم ففعل، فدَخَلوا معه جميعًا على وجهين: مُكْرَهٍ عليه فاغتبط، وطائعٍ أتاه فازداد."

فعَرَفنا جميعًا فضلَ ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوةِ والضِّيقِ، ثم أمرنا أن نبدأَ بمن يَلِينا من الأممِ، فنَدعُوهم إلى الإنصافِ، فنحن نَدعُوكم إلى دينِنا، وهو دينٌ حسَّن الحسنَ، وقبَّح القبيحَ كلَّه؛ فان أَبَيتُم فأمرٌ من الشرِّ هو أهونُ من آخرَ شرٍّ منه: الجزية، فإن أبيتم، فالمناجزة، فإن أجبتُم إلى دينِنا خلَّفنا فيكم كتابَ الله، وأقمناكم عليه على أن تَحكُموا بأحكامِه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن اتَّقيتمونا بالجِزْيَة، قَبِلنا ومَنَعناكم، وإلا قاتلناكم، فأغلظ الملِك يَزْدَجِرْد في الجواب - وكان سَيِّئَ الأدبِ - في كلامٍ طويلٍ أجابه عنه المغيرةُ بن زُرَارةَ، شارحًا له نعمةَ اللهِ عليهم بإرسالِ هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف أَنقَذهم من ضيقِ الشقاءِ إلى بحبوحةِ السعادة، وكيف نفَّذ خليفتاه من بعدِه أمرَه حتى انتهى بالمسلمين الأمرُ إلى غزوِ هذه البلاد - إلى أن قال: فَاختَر إن شئتَ الجِزْيَةَ عن يدٍ وأنت صاغرٌ، وإن شئتَ فالسيفَ، أو تُسلِم فتُنَجِّي نفسَك، فقال يَزْدَجِرْد: أَتَستَقبِلني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلتُ إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت