فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 231

مَن كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك لم أستَقبِلْك به، فقال: لولا أن الرسلَ لا تُقتَل لقتلتُكم، لا شيءَ لكم عندي.

ثم قال: ائتوني بوقرٍ من ترابٍ، فقال: احملوه على أشرفِ هؤلاءِ، ثم سُوقُوه حتى يخرجَ من بابِ المدائنِ، ارجِعوا إلى صاحبِكم، فأَعلِموه أني مرسِل إليكم"رُسْتُم"، حتى يدفنَكم ويدفنَه في خندقِ القادسية، وينكل به وبكم من بعدُ، ثم أورده بلادَكم حتى أَشغلَكم في أنفسِكم بأشدَّ مما نالكم من"سابور"، ثم قال: مَن أشرفُكم؟ فسكت القومُ، فقال عاصم بن عمروٍ - وَافتَات ليأخذَ التراب: أنا أشرفُهم، أنا سيِّد هؤلاءِ، فحمِّلنيه، فقال: أكذلكَ؟ قالوا: نعم، فحَمَله على عنقِه، فخرج به من الإيوانِ والدارِ، حتى أتى راحلتَه، فحَمَله عليها، ثم انجذب في السير حتى أَتَوا به سعدًا - وسبقهم عاصم - فقال: بشِّروا الأميرَ بالظَّفَرِ، ظَفِرنا إن شاء الله، ثم مَضَى حتى جعلَ الترابَ في الحِجرِ، ثم رَجَع فدَخَل على سعدٍ، فأَخبَره الخَبَر، فقال: أَبشِروا؛ فقد - واللهِ - أعطانا الله أقاليد مُلكِهم"."

فهذه صورةٌ صغيرةٌ تعرف منها قوَّة يقينِ هؤلاءِ، وصدْقَ إخلاصِهم وتضحيتَهم؛ لأنهم عَرَفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفَهِموا عنه رسالتَه؛ فتَغَلغَلت في نفوسِهم، واصطبغوا بها، فأين لنا اليوم مثلُ هذه المعرفة والفهمِ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولرسالتِه؛ ليكونَ من ثمرةِ ذلك قوَّة الأخلاق والتضحية بالنفس والمال؟

وخذ لك صورةً أخرى لوُلاةِ هؤلاءِ وقَادَتِهم:

لَمَّا أراد عمرُ بن الخطاب فتْحَ العراقِ، ووقع الاختيار على سعدِ بن أبي وقَّاص؛ ليكونَ هو القائدَ - دَعَاه عمر، وقال له: يا سعدُ، لا يغرنَّك من اللهِ أن قيل: خالُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبُ رسولِ الله؛ فإن اللهَ لا يَمحُو السيئَ بالسيئ، ولكنه يَمحُو السيئَ بالحسنِ؛ فإن الله ليس بينه وبين أحدٍ نسبٌ إلا طاعته، فالناس - شريفُهم ووضيعُهم - في ذاتِ الله سواءٌ، الله ربُّهم وهم عبادُه، يتفَاضَلون بالعافيةِ، ويُدرِكون ما عنده بالطاعةِ، فانظر الأمرَ الذي رأيتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه منذ بُعِث إلى أن فَارَقناه؛ فَالْزَمه، فإنه الأمر، هذه عظتي إيَّاك، إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِط عملُك، وكنتَ من الخاسرين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت