• {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .
لما ذكر الله - جل ثناؤه - محاورةَ الأتباعِ المقلِّدين لمتبوعيهم ورؤسائهم وسادتِهم، ذكرَ محاورةَ أولئك الضالِّين جميعًا؛ سادةً ومَسُودِينَ، وأتباعًا ومَتبُوعِين، وشيوخًا ومقلِّدين لإمامِهم الأكبرِ، ورئيسِهم الأوَّلِ، وهو الشيطانُ؛ وذلك لاشتراكِ الرؤساءِ والشياطين في الضلال والإضلال، وأن كلاًّ منهم يشاركُ الآخرَ في معنًى واحدٍ، هو الإجرامُ، وكراهية الأنبياء، وعداوتهم، وكلٌّ منهم يستمتعُ بالآخرِ، ويُعِينه على الإجرامِ ومحادَّة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والقعودِ على صراطِ الله المستقيم؛ لإضلالِ الناس وصدِّهم عن سبيل الله، قال الله - تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام:112، 113] .
وقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 27 - 31] .
فبين شياطينِ الإنسِ - الذين استكبروا عن آيات الله الكونيةِ والعلميةِ أن يَخضَعوا لها، وينقادوا لأحكامها وسننها، ويَستَقِيموا على طريقِها - وبين المستضعَفينَ من العوامِّ والدَّهماءِ أقوى رابطةٍ؛ حيث أقاموا لهم أنفسَهم أربابًا وآلهةً من دون الله، فردُّوهم بالتقليدِ الأعمى إلى أسفلِ سافلينَ، وألزموهم أن يُسلِموا إليهم زمامَ قلوبِهم وعقولِهم وأعمالِهم، وأن يكونوا بين أيديهم إرادةً واختيارًا وتفكيرًا كالميِّت بين يدي الغاسل، وأَوهَمُوهم أن لهم مِن القدرة المطلقة ما يتصرَّفون به في قلوبِهم وأعمالِهم، ودنياهم وآخرتهم؛ فاستسلم أولئك الجماهيرُ لأولئك الدجَّالين استسلامًا لا ينبغي ولا يَلِيق إلا للهِ ربِّ العالمين، وألقَوا إليهم السَّلمَ، مُوقِنين أنهم