حقيقةً يفعلون ما يقولون، ويتصرَّفون التصرُّف المطلَق في هذا الوجودِ بما يشاؤون، حتى أَكفَرُوهم بكلِّ آياتِ اللهِ ونعمِه، وأَخلَدُوا بهم إلى أرضِ الهَوَى والظنونِ؛ فأَصبَحُوا كما وَصَفهم الله وضرب لهم المثل: {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 176 - 179] .
وكما قال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .
يَمُرُّون بالليلِ والنهارِ على آياتِ الله في أنفسهم وفي الآفاق، ويفصِّل الله لهم من الآياتِ الكونيةِ في كلِّ شأنٍ من شؤونِهم، وهم عنها مُعرِضُون غافلون، ويَقَرؤون آياتِ الله مفصَّلات بيِّنات تُنَادِيهم وتحاول أن تُوقِظَهم وتَنتَشِلهم من هذه الغفلةِ، ولكنهم كما وصفهم الله: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 45 - 47] .
وما هذه النجوى إلا ما في قلوبِهم من العقائد التي نَفَثها فيهم شياطينُهم أنكم عوامُّ لا ينبغي أن تَفهَموا القرآن ولا أن تتدبروه؛ فقد أُغلِقت أبوابُه، ووُضِعت عليه أقفالٌ، مفاتيحُها بيدِ فلانٍ وفلانٍ، وما لكم من هذا القرآنِ إلا الترنيمُ، والأصواتُ الغنائيةُ، والتوقيعات الموسيقية، أو للموتى تَستَنْزِلُون به الرحمات عليهم، بواسطة أولئك الكهَّان المجرمين، أو التبركِ بورقِه وحروفِه وجِلدِه، وخدامِه الذين قيل عنهم: إن لكلِّ آيةٍ، ولكلِّ سورة، ولكلِّ حرفٍ وكلمةٍ خادمًا من الجنِّ، إذا كررت الآية أو السورة أو الكلمة عددًا حدَّده لهم أولئك المجرمون يَحضُر هذا الخادمُ بالليلِ أو النهارِ؛ فيكون تحت تصرُّفهم يسخِّرونه فيما يشاءُ لهم كفرُهم