وزعمتَ أن مجرَّد التلفظِ بالشهادتين وإجراءِ حروفِهما على اللسان - بدونِ فهمٍ لهما، ولا عملٍ بمقتضاهما، ولا وقوفٍ عند حدودهما - يُنجِيك من غضبِ الله، وشديدِ عقابه، وإن بَقِي عليك بقيَّة، ففي المحسوبية على الأولياء متَّسع للتجاوزِ عن كل الجرائم والذنوب.
نسبتَ بجهلِك وظلمِك العبثَ واللعبَ إلى الله - سبحانه - فزعمتَ أن الله لم يُمِتْ أولياءك موتَ البشرِ الذي جعله اللهُ على كلِّ البشر، والذي به تتعطَّل كلُّ حواسِّهم وأعضائهم البشرية بالبِلَى والفناء والموت الذي دعاك وألزمك - بسنَّةِ الفطرةِ - أن تغسِّل جثثَهم، وتكفِّنها، وتَحمِلها إلى القبر فتواريَها تحت أطباقِ الثرى، وقلتَ بعد أن أهَلْتَ عليهم الترابَ وأحكمتَ سدَّ القبر: إنهم أحياء يسمعونك؛ إذ تدعوهم وتناديهم ويرونك إذ تأتيهم، ويتحركون في قضاء ما تطلب منهم من حاجات وطلبات: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195] .
وقد عطَّل الموتُ كلَّ ذلك، وأفسده البِلَى والفناء.
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 18 - 23] .
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 27 - 29] .