أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: 70 - 72] .
ومن رحمتِه جعلَ لكم الليلَ والنهارَ؛ لتسكنوا فيه، ولتَبتَغُوا من فضلِه، ولعلكم تشكرون، ثم هم مع هذه النعمِ العظيمةِ يَرَون أن ربَّهم الكريمَ الرحيمَ يُؤتِي كلَّ واحدٍ من الناس سُؤلَه على ما يرغب من مالٍ، وولدٍ، وصحَّةٍ، وعافيةٍ، وهذا كلُّه بعضُ ما يمكن أن يعدَّ من نعمِه وفضلِه وبرِّه، وإلا ففي الواقع تحت كلِّ نعمةٍ من هذه النعم ما لا يمكن أن يُعدَّ ولا أن يُحصَى، وأجلُّ وأفضلُ نعمةٍ هي نعمةُ الإنسانيةِ العاقلة المكرَّمة، ونعمةُ الهدايةِ الدينيةِ، والعلم الذي يوحي به ليَهتَدِيَ به مَن اتَّبع رضوانَه سُبُلَ السلامِ، ويُخْرِجهم من الظلماتِ إلى النور، فما أجلَّها نعمةً، وما أعجزَنا عن شكرِ هذه النعم، وكلُّها واضحةٌ مبصرةٌ ليس بشيءٍ منها لَبْسٌ وخفاءٌ؛ فالمؤمنون يَرَونَها كذلك، ويُوقِفون كلَّ ما أوتوا منها في شكر مُسْدِيها، ويضعونها الموضعَ الذي يحبُّه، الذي وَهَبها من أجله، لما أتاهم الله من العلم والحكمة.
أما غيرهم - فنسأل الله العافية - فعَمَوا عن كلِّ ذلك وصمُّوا؛ لأنهم يَمشُون على وجوهِهم عميًا وبكمًا وصمًّا؛ فجَهِلوا هذه النعم كلَّها، وأخفاها عنهم ما غَشِي على قلوبِهم وبصائرهم من غشاوات التقليد الأعمى الذي اندسُّوا به في غمارِ الأنعام والبهائمِ، بل الأنعام - والله - خيرٌ منهم؛ فظَلَموا أنفسَهم شرَّ الظلم بهذا الجهل والتحقيرِ لنعم الله، ودعاهم الشيطانُ إلى الكنودِ والكفرِ بنعمِ الله وحكمِه وآياته وهدايته وكتبه ورسله.
تبًّا لهذا الإنسان الظلوم الكفَّار الكَنُود، ونعوذ باللهِ أن يجعلَنا منهم، ونسأله - سبحانه - أن يجعلَنا بفضلِه ورحمتِه وتوفيقِه من الذاكرين الشاكرين، وصلَّى الله على محمدٍ عبدِ اللهِ ورسولِه الصبَّار الشكور، وعلى آلِه الذين اتَّبعوه على ذلك، وأسألك يا رب أن تَجعلنِي منهم، إنك أرحم الراحمين [1] .
(1) مجلة الهدي النبوي: صفر (1366) العدد الثاني.