بدا الموقف يسوء تدريجيا في صفوف الأحزاب أيضا، وبدا التذمر يظهر بيهم. فالعرب لم يكونوا معتادين على الحصار الطويل وهم يفضلون معركة نشلة سريعة على هذا الشكل من الحرب. وبقي الطقس سيئا وسبب الغم والضيق بين الأحزاب. كما أن الطعام بدا بالنقصان، لأن أبا سعبان لم يتخذ الترتيبات اللازمة بشأن تخزين كميات كبيرة من الطعام تكفي لمدة طويلة من الزمن، ولكن بما أن الأحزاب لم يكونوا محاصرين، فقد اتخذوا بعض الاجراءات لجمع المؤن من مناطق بعيدة , وبدا الرجال بالتذمر، لذا كان على ابي سفيان أن يفكر مليا لايجاد مخرج لهذا المازق. اخيرا استشار حي اليهودي، فاتفقا على خطة جديدة تبشر بالنجاح.
في مساء يوم الجمعة، السابع من آذار، تسلل حبي إلى قرية بني قريظة. وذهب الى کعب بن اسد القرقلي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله على قومه، وعاقده على ذلك، فلما سمع كعبه بحيي بن أخطلب اغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه"حيي": ويحك باکعب افتح لي، قال: ويحك يا حبي انك امرؤ مشؤوم واني ند ماهدت محمدا، فلست بناقض مابيني وبينه، ولم أر منه الا وفاء وصدنا، قال: ويحك افتح لي اكلمك، ففتح له. وبدا حيي با قناع كعب والضغط عليه للانضمام إلى الأحزاب في الحرب ضد المسلمين. رفض كعب في بادئ الأمر وقال: اذا انضممنا اليكم وفشلت الحملة، سيعود عبدة الأصنام الى ديارهم بسلام وسوف نتحمل نحن فضب محمد» (1) . لكن حبي استمر في ضغطه ولم يزل بكعب بفشله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه شهدا و ميثاقا و لئن رجعت فريش وغطفان ولم يصيبوا محمد ان ادخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك» (2) ، فنقض کعب بن اسد عهده، وبريء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووافق على الدخول في تحالف مع الأحزاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{1} ابن هشام - الجره 2، صفحة 222، الواقدي: الغازي، صفحة 292.
(2) ابن هشام - الجره 2، صفحة 223.