-قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي جاءه، قال وهو يسأل عن الصلاة قال: هل عليَّ غيرها؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( لا إلا أن تتطوَّع ) ) [1] .
ففهموا من الحديث أن الاستثناء متَّصل؛ أي: إنه فُرضت عليك النافلة إن شرعتَ فيها.
-من حيث النظر إن النفل يَصير فرضًا بالنذر، قالوا: كذلك شَرعُه في النافلة كأنه نذرَها، وكان النذر بفعلِه لا بقوله.
والراجح: هو قول الجمهور، وأما أدلة الأحناف فأجابوا عنها، قالوا:
-أن الآية لا تدلُّ على إتمام النفل؛ إنما تدلُّ على عدم إبطال الحسنات؛ كقوله -تعالى-: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] .
-أما الحديث فصحيح؛ ولكن الاستِثناء منقطع، وليس متَّصلًا؛ أي المعنى: لكن لك أن تتطوَّع.
-أما القياس: فقياس مع الفارق؛ لأن النذر لا يَثبُت إلا باللفظ، ويُعارِضه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( الصائم المُتطوِّع أمير نفسه؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر ) ) [2] .
المسألة الثالثة: المستحَبُّ وإن كان تاركه لا يعاقب في تركه جزءًا، فإنه قد يعاقب إذا تركه جملة:
مثاله: من واظَبَ على تركِ الوتر، فلا يُتصوَّر في مؤمن يَترُك كل المستحبات، قال الشاطبي وقَعَّدَ بذلك قاعدة وهي:"أن الفعل إذا كان مندوبًا بالجزء، فهو واجب بالكل"، وعلى هذا يُحمَل كلام الإمام أحمد وهو:"مَن ترَك الوتر، فهو رجلٌ سُوءٌ، ولا تُقبَل شهادته".
المسألة الرابعة: المستحب مُتفاوِت الرتبة:
فأعلاه ما واظب عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يتركه إلا نادرًا، كالسُّنَن الرواتب.
والثانية: ما فعله النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أحيانًا وترَكَه أحيانًا؛ كصلاة الضُّحى.
(1) جزء من حديث عند البخاري (6) ، والسائل هو ضمام بن ثَعلبة.
(2) وقالوا في الحج والعمرة: يجب إجماعًا؛ لقوله - تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] ، وبعضُهم يُفرِّق بين الصيام والصلاة؛ لأن النص ورد في الصيام، فقالوا: الصلاة يجب إتمامها، أما الصيام فلا.
تنبيه: هذا في العمل المرتبِط أوله بآخره، كصلاة والصيام، أما العمل غير المرتبط أوله بآخره، فلا يجب إتمامه؛ كقراءة القرآن والذِّكر.