الصفحة 29 من 33

القراءة، أما حديث ابن عباس فظاهِرُه أنه لم يجهَر بالقراءة؛ ولأن النصَّ أقوى في الدلالة من الظاهِر؛ من حيث إنه لا يَحتمِل إلا معنى واحدًا، بخلاف الظاهر الذي يَحتمِل أكثر من معنى.

المُؤول هو:"صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يدلُّ على ذلك"؛ مثال: حديث أبي موسى الأشعري: (( لا نِكاحَ إلا بِوليٍّ ) ) [1] ، ظاهر الحديث أن الوالي شَرط في صحَّة النِّكاح، ولا يصحُّ إلا به، أما تأويله أن هذا النفي للتَّمام والكَمال، فنُقدِّم الظاهر على التأويل؛ لأن دلالة الظاهر أقوى من دلالة التأويل.

-ترجيح القول على الفعل [2] ، يقدَّم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- على فعله؛ لأن الفعل قد يكون لبَيان الجواز، أو لعلة أخرى؛ حديث عائشة أمِّ المؤمنين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا كاشفًا عن فَخذِه [3] ، وحديث محمد بن جَحش قال: مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا معه على معمر وفَخِذاه مَكشوفتان، فقال: (( يا مَعمَر، غطِّ فخذَيكَ؛ فإنَّ الفَخِذَين عورة ) ) [4] ، فنقدِّم حديث محمد بن جَحش (القول) ، على حديث عائشة (الفعل) .

-ترجيح الحَظر على الإباحة؛ لأن ترك المباح أهون من ارتكاب الحَرام؛ مثال:

قوله -تعالى-: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] الآية تمنَع وتَحظر الجمع بين الأختَين مُطلقًا، وقوله -تعالى-: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] .

(1) أبو داود (2085) ، والترمذي (1101) ، وصحَّحه الألباني في المشكاة (3031) .

(2) قال فضيلة الشيخ رمضان بن قرني معلقًا:"قال بعض العلماء: إذا تعارَض القول والفعل، قُدِّم القول مطلقًا، وقال بعض العلماء: بالجمع بين القول والفعل، فإذا كان القول تحريمًا، يُحمل الفعل على الكراهة؛ كنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب قائمًا، وشَرِبَ - عليه الصلاة والسلام - قائمًا، قالوا: يُصرف إلى الكراهة، وكذلك الجمع بينهما بالحمل على الندب والاستِحباب."

فمُعارَضة القول للفعل تأتي على صور: فتارة يَقوى تقديم الفعل، وتارة يَقوى الجمع بين القول والفعل، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى نظر ومعرفة بنصوص ومقاصِد الشريعة.

(3) مسلم (2401) .

(4) حسن لغيره؛ رواه الترمذي (2797) ، واللفظ له، وأبو داود (4014) ، من حديث جَرهَد، وصحَّحه الألباني في الإرواء (1: 297) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت