ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد، قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي، فقلت له: بمكة، قال لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس، قال أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك، فلم يزل أبو جهل به حتى قال: أمَّا إذ غلبتني فوالله لأشترينَّ أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني، فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلًا إلا عقل بعيره، فلم يزل بذلك، حتى قتله الله عز وجل ببدر [1] .
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها [2] ودمها وسلاها [3] ، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام، وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» ثم سمى «اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد» ، قال عبد الله: فوالله
(1) ص 751 برقم (3950) ، كتاب المغازي، باب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يقتل ببدر.
(2) الفرث: بقايا الطعام في الكرش، انظر: المعجم الوسيط (2/ 678) .
(3) السلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه، وقيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة. النهاية في غريب الحديث (2/ 396) .