أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] ، إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] [1] .
قال ابن إسحاق: فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحًا السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد ابن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟!» قال: أجل، والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان [2] في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال [3] .
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث علي - رضي الله عنه - قال: قيل لعلي ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو قال: يشهد الصف [4] .
روى الواقدي في مغازيه من طريق الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفني نوفل بن خويلد!» وأقبل نوفل يومئذ وهو مرعوب قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا هم والمسلمون، يصيح بصوت له زجل، رافعًا صوته: يا معشر قريش، إن هذا اليوم يوم العلاء والرفعة! فلما رأى قريشًا قد انكسرت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى
(1) ص 732 برقم (1763) ، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
(2) الإثخان: كثرة القتل.
(3) تاريخ الطبري (2/ 34) .
(4) (2/ 411) برقم (1257) ، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.