دمائنا؟ أما ترون ما تقتلون؟ أما لكم في اللبن من حاجة؟ فأسره جبار بن صخر فهو يسوقه أمامه. فجعل نوفل يقول لجبار - ورأى عليًا مقبلًا نحوه - قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللات والعزى إني لأرى رجلًا، إنه ليريديني! قال: هذا علي بن أبي طالب. قال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه منه، فيصمد له علي - عليه السلام - فيضربه، فنشب سيف علي في حجفته ساعة، ثم نزعه فيضرب ساقيه، ودرعه مشمرة، فقطعها، ثم أجهز عليه فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من له علم بنوفل بن خويلد؟» فقال علي: أنا قتلته. قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه» [1] .
روى أبو نعيم في دلائل النبوة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمرًا، فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء! فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه فلم يرد عليه التحية، فقال: أوَ قد فعلتها قريش؟ قال: فما يبري صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم، ففعل، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال «إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرًا» .
فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا. قال: لقد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرًا. فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين وحل [2] به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرًا في سبعين من قريش، وقُدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: «نعم، بما بزقت في وجهي» ،
(1) (1/ 91 - 92) ، وهو مرسل، فالزهري لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) الوحل: الطين الرقيق، مختار الصحاح ص 297. وجدد قال في النهاية: أي المستوي من الأرض (1/ 245) .