أكسبت المسلمين نصرًا حاسمًا، شهد له العرب قاطبة، وكان انتصار المسلمين في هذه المعركة سببًا لعزتهم ورفعتهم، بل كان البوابة الأولى لغزوات متتابعة، رفعت فيها راية الإسلام خفاقة، وأذل الله فيها الكفر وأهله.
فقد كانت قريش تحتل المكانة العظمى عند قبائل العرب، فهم أهل السيادة والحجابة والسقاية، وهم سدنة البيت الحرام، وهم أهل التجارة ورؤوس الأموال. قال ابن كثير - رحمه الله - في قوله تعالى: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) } [قريش: 1 - 2] .
قيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس؛ لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم فهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حالة إقامتهم في البلد، فكما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] [1] .
وقد سبق في مخاطبته عليه الصلاة والسلام لصناديد قريش في البئر أن عددهم أربعة وعشرون رجلًا، ممن عذبوا المسلمين في مكة، ووقفوا في طريق الدعوة إلى الله، وممن امتلأت قلوبهم حقدًا وغيظًا على الإسلام وأهله، وكان في قتل هؤلاء على أيدي المسلمين تعذيبًا وخزيًا لهم في الدنيا قبل الآخرة، وقد أشفى الله بقتلهم صدور المؤمنين المظلومين المعذبين في مكة، وكان في قتلهم ضربة لقريش، وإضعافًا لهم، فهم سادة قريش، وقادتها.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة ابن أبي معيط بسلا جزور، فقذفه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، ودعت على من صنع ذلك، فقال: «عليك الملأ من قريش، أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، أو أبي بن
(1) تفسير ابن كثير (4/ 553) .