وغلبتهم ضربة قاصمة على كيانهم الديني والاقتصادي، وهم اليهود. فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظًا وحنقًا على المسلمين، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] .
أما اليهود، فلم يعودوا يسيطرون على أفعالهم وأقوالهم التي تنم عن الغضب والحقد المتأججين، فاندفعوا نحو العدوان، مما أدى إلى إجلاء بني قيقناع عن المدينة.
أما المشركون، فلم يصدقوا ما حدث، فقد قتل سادتهم وأبطالهم، ولكنهم تجلدوا فمنعوا البكاء والنياحة على قتلاهم؛ لئلا يشمت بهم المسلمون، وصمموا على الثأر والانتقام من المسلمين في أقرب فرصة. وكانت في المدينة بطانة لفريقين دخلوا في الإسلام حين لم يبق مجال لعزهم إلا في الإسلام، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ولم تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظًا من الأوليين، ولكنهم أسلموا من أجل مصالحهم الخاصة.
روى البخاري في صحيحه من حديث أسامة بن زيد في حديث طويل، وفيه: فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه [1] ، فبايَعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأسلموا [2] .
وكانت هناك فرقة رابعة، وهم البدو الضاربون حول المدينة، لم يكن يهمهم مسألة الكفر والإيمان، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار، وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية، تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحقدون على المسلمين، وصاروا لهم أعداء.
وتبين بهذا أن الانتصار في بدر، كما كان سببًا لشوكة المسلمين وعزهم وكرامتهم، كذلك كان سببًا لحقد جهات متعددة، وكان من الطبيعي أن يتبع كل فريق ما يراه كفيلًا لإيصاله إلى غايته [3] .
(1) أي استقر فلا مطمع في إزالته.
(2) ص 866 برقم (4566) ، كتاب التفسير، باب {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
(3) انظر: الرحيق المختوم ص 251.