وقد صرَّح في المغني [1] بأن مذهب أبي حنيفة (ت: 150 هـ) ومالك (ت: 179 هـ) والشافعي (ت: 204 هـ) أن للولد مطالبة والده بدَيْن عليه.
وعلَّل ذلك لهم: بأنه دَيْن ثابت، فجازت المطالبة به كغيره [2] .
ويظهر من مذهب الحنابلة جوازُ مخاصمة الولد أباه في الدَّيْن وإثباته في ذمته [3] .
وقد جاء في الإقناع وشرحه (كشاف القناع عن متن الإقناع) ما نصه:" (ويثبت له) ؛ أي: الولد (في ذمته) ؛ أي: الوالد (الدَّيْن) من بدل قرض وثمن مبيع وأجرة ونحوها، (ونحوه) كأَرْش الجنايات وقيم المُتلَفات، إعمالًا للسبب؛ فإن ملك الولد تام، والسبب إما إتلاف لمال الغير، وإما قرض ونحوه، فقد يدخل تحت قوله - تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] ."
(قال في"الموجز": لا يملك) الولد (إحضاره) ؛ أي: الأب (مجلس الحكم، فإن أحضره فادعى) الولد عليه، (فأقر) الأب بالدَّين، (أو قامت) به (بينة، لم يحبس) " [4] ."
ومن هذا النص الفقهي للحنابلة يظهرُ أنه يجوز إثبات الدَّيْن في ذمَّة الأب للولد، وأن الأب متى حضر أو أُحضِر لمجلس الحكم سُمِعت الدعوى عليه، وقضي عليه متى أقرَّ بالحق أو قامت بينة به، وسيأتي بيانٌ لحكم الإحضار والتنفيذ على الأب.
وما ورد في الإقناع وشرحه بيانٌ لما أجمل من كلام ابن قدامة (ت: 620 هـ) في المقنع من قوله:"وليس للابن مطالبة أبيه بدَيْن ولا قيمة مُتلَف ولا أَرْش جناية ولا غير ذلك" [5] ؛ لأن المطالبة لفظ مشترك بين المطالبة بالتنفيذ والمخاصمة، فحملت على المعنى الأول؛ لما سلف ولما يأتي من بيان.
(2) ... المغني 6/ 291.
(3) ... المغني 6/ 291، وكشاف القناع عن متن الإقناع 6/ 320.
(4) ... الإقناع لطالب الانتفاع 3/ 115، وكشاف القناع عن متن الإقناع 4/ 320.
(5) ... المقنع، طبعة هجر 7/ 159.