فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 172

تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة

وقت المحن والشدائد لابد من إلزام نزوات العواطف بنظرات العقول، وتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة، ومن أفضل المواقف في السيرة العطرة، موقفه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، حينما جاءه وفد من قريش لعمل الصلح والهدنة، ورضي النبي صلى الله عليه وسلم بشروط قريش المجحفة من أمثال من أسلم من المشركين فليرجع إليهم، ومن كفر من المسلمين فلا يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فضَّل المصلحة العامة للدعوة على المصلحة الخاصة فكان هذا الصلح فتحًا كما سماه الله تبارك وتعالى"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا" [الفتح: 1] ، والصحابة رضوان الله عليهم حزنوا حزنًا شديدًا بهذا الصلح، حتى روي عن عمر بن الخطاب أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألست برسول الله؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟. قال:"أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني". لقد هاجت في نفوس المسلمين مرة أخرى خيبة الأمل، لقد حدثوا أنهم داخلون إلى المسجد الحرام، وها هم أولاء قد ارتدوا عنه، وعرا المسلمين وجوم ثقيل لهذه النهاية الكئيبة وزاغت نظراتهم لما ركبهم من الحرج المفاجيء. فلما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال لهم:"قوموا فانحروا ثم احلقوا"- ليتحللوا من عمرتهم ويعودوا إلى المدينة - فلم يقم منهم رجل! حتى قال ذلك ثلاث مرات! فلم يقم منهم أحد، فدخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس. فقالت أم سلمة: يا رسول الله .. أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، فلما رأى المسلمون ما فعل الرسول زال عنهم الزهول، وأحسوا خطر المعصية لأمره فقاموا - عجلين - ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر من فرط الغم.

وكثير من المؤرخين يُعد صلح الحديبية فتحًا، بل إن الزهري يقول فيه: ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، لم يُكلم أحدًا بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه. ولقد دخل في تلك السنتين - بعد الحديبية - مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت