وأكد الشاطبي على شمولية الدين وعموم تشريعاته لجميع"أنواع التعبدات من العبادات والعادات والمعاملات" [1] ، ويورد ذلك في عبارة جامعة قائلا:"كل تصرف للعبد تحت قانون الشرع فهو عبادة". [2]
وبهذا المعنى العام للفظ"الدين"يمكن أن تقرأ الآية الكريمة:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا" [المائدة: من الآية 3] . فهي تصرح بأن الدين كامل، وليس فيه أي شكل من أشكال النقص والنسيان، لكن الراجح أن المقصود الدين بمعناه العام، وليس دين العقائد والشعائر والأحكام الثابتة فقط، وهذا ما شرحه به العديد من العلماء والمفكرين المسلمين. ولذلك يقول الشاطبي إن الحفظ المضمون في قوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"إنما المراد به حفظ أصوله الكلية المنصوصة، وهو المراد بقوله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم"أيضا، لا أن المراد المسائل الجزئية. [3]
وهكذا، فإن من كمال الدين أن الله تعالى أوكل أو فوض للإنسان الاجتهاد والإبداع في شئون حياته، ثقة بقدرته الفكرية والمعرفية على الإجابة عن الأسئلة المطروحة، وإجاباته وإبداعاته هي التنظيمات والإجراءات الوضعية التي تنظم الحياة الدنيوية للأفراد والمجتمعات، إنها من الدنيا، لكنها دين أيضا بالمعنى العام، أي بمعنى أنها تتم في انسجام مع التوجهات والقيم الدينية العامة، ومن هنا اعتبر علماء مدرسة أهل السنة الولاية والسياسة من الطاعات، وعدوها عبادة، ليس بمعنى أنها"تعبد"، بل على أساس أنها من الأعمال الدنيوية التي تتم في الإطار المرجعي العام للدين، وهكذا فإن تعيين رئيس الدولة أو الإمام يعتبر من باب العمل الدنيوي الاجتهادي الذي يقوم به الناس وليس من باب الدين التعبدي، وهذا لا يمنع من اعتباره دينا، بالمعنى العام، أي عملا يعتبر طاعة، فيؤدى بحقه، ويتقى الله فيه: فلا غش ولا خيانة، ولا استخفاف بالمسئولية ... وعلى هذا الأساس يجب أن تفهم عبارات فقهاء الإسلام في هذا المجال، مثل قول ابن تيمية:"فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله. [4] "
(1) - الموافقات أبو إسحاق الشاطبي 3/ 285
(2) - الموافقات أبو إسحاق الشاطبي 1/ 140،141
(3) - الموافقات ... أبو إسحاق الشاطبي 1/ 32
(4) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ابن تيمية ص 5.