والإسلام لا يفرق في ذلك بين الراعي والرعية، بل إن الحاكم في الإسلام أجير عند الأمة، دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَجِيْرُ، فَقَالَوا: مَهْ، قَالَ: دَعُوْهُ، فَهُوَ أَعْرَفُ بِمَا يَقُوْلُ، وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ، ثمَّ وَعَظَهُ وحثَّه عَلَى العَدْلِ.
والخلق أمام الله سواء، فلا يحابي جنسًا على حساب جنس آخر، ولا طبقة على حساب طبقة .. فالكل عبيده وتشريعه لهم واحد، لا يختلف مع الزمن ولا مع اختلاف الأمم:"شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" (الشورى:13) .
(5) الرحمة: والإسلام دين الرحمة، ونبي الإسلام إنما أرسله الله رحمة للعالمين:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) " (الأنبياء) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ".
ولقد فتحت أبواب الجنة لرجل سقى كلبًا يلهث يأكل الثرى من العطش، وفتحت أبواب النار لامرأة حبست هرة وقست عليها.
وإنما سمي الفسطاط"مصر القديمة"بذلك؛ لأن فسطاط عمرو بن العاص حين الفتح اتخذت من أعلاه حمامة عشًّا لها، فلم يشأ عمرو أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتتابع العمران من حوله، فكانت مدينة الفسطاط، وما ذلك كله إلا أثرًا من آثار الرحمة التي يشيعها الإسلام في نفوس المؤمنين.
(6) الشورى: فالشّورى من قواعد الشّريعة، وقد مدح الله المؤمنين بقوله:"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى:38) ، وأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى:"وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ" (آل عمران: 159) .
والإسلام حين حثَّ على الشورى وأمر بها إنما وضع قاعدتها، ولم يتعرض لكيفية الشورى ولا لآلياتها؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال الاجتماعية، فما كان يصلح في صدر الإسلام لا يصلح مع اتساع العمران، ومع ما وصل إليه الإنسان من علوم ومعارف.
وفي ظل هذا يمكن للمسلمين أن ينشئوا مجالس نيابية بجانب ولي الأمر، أو أن يسلكوا أي سبيل آخر للتعرف على رأي الجماعة، وبهذه السعة والحرية يصلح ويُصلح الإسلام كل زمان ومكان وإنسان.