والجواب على هؤلاء أسهل مما يتصورون؛ وذلك أن هذا الحديث ليس فيه أن اختلاف الفصول أو حصول الشتاء والصيف هو بسبب نفَسَيْ جهنم بل الحديث نفْسُه يدل على وجود الفصلين (الشتاء والصيف) ابتداءً، وأن"شدة الحر"و"شدة البرد"هما من أثر نفَسَي جهنم، لا أنهما يكوِّنان"الصيف"و"الشتاء"، وهذا واضح بأدنى تأمل في الحديث.
قال ابن عبد البر رحمه الله:"وأما قوله: (فأذن لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف) : فيدل على أن نفَسها في الشتاء: غير الشتاء، ونفَسها في الصيف: غير الصيف"انتهى"التمهيد" (5/ 8) .
وقد رَدَّ آخرون الحديث لأن سبب شدة الحر أو شدة البرد معروف، وهو بعد الشمس أو قربها من الأرض وقد أجاب العلماء عن ذلك أيضًا، وبينوا أنه لا تعارض بين الحديث، وبين الواقع،
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:"وفي هذا الحديث: دليل على أن الجمادات لها إحساس لقوله: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا) ، من شدة الحر، وشدة البرد، فأذن الله لها أن تتنفس في الشتاء، وتتنفس في الصيف، تتنفس في الصيف ليخف عليها الحرَّ، وفي الشتاء ليخفَّ عليها البرد، وعلى هذا فأشد ما نجد من الحرِّ: يكون من فيح جهنم، وأشد ما يكون من الزمهرير: من زمهرير جهنم. فإن قال قائل: هذا مشكل حسَب الواقع؛ لأن من المعروف أن سبب البرودة في الشتاء هو: بُعد الشمس عن مُسامتة الرؤوس، وأنها تتجه إلى الأرض على جانب، بخلاف الحر، فيقال: هذا سبب حسِّي، لكن هناك سبب وراء ذلك، وهو السبب الشرعي الذي لا يُدرك إلا بالوحي، ولا مناقضة أن يكون الحرُّ الشديد الذي سببه أن الشمس تكون على الرؤوس أيضا يُؤذن للنار أن تتنفس فيزدادُ حرُّ الشمس، وكذلك بالنسبة للبرد: الشمس تميل إلى الجنوب، ويكون الجوُّ باردًا بسبب بُعدها عن مُسامتة الرؤوس، ولا مانع من أنّ الله تعالى يأذن للنار بأن يَخرج منها شيءٌ من الزمهرير ليبرِّد الجو، فيجتمع في هذا: السبب الشرعي المُدرَك بالوحي، والسبب الحسِّي، المُدرَك بالحسِّ. ونظير هذا: الكسوف، والخسوف، الكسوف معروف سببه، والخسوف معروف سببه. سبب خسوف القمر: حيلولة الأرض بينه، وبين الشمس، ولهذا لا يكون إلا في المقابلة، يعني: لا يمكن يقع خسوف القمر إلا إذا قابل جُرمُه جرمَ الشمس، وذلك في ليالي الإبدار، حيث يكون هو في المشرق، وهي في المغرب أو هو في المغرب، وهي في المشرق. أما الكسوف فسببه: حيلولة القمر بين الشمس، والأرض، ولهذا لا يكون إلا في الوقت الذي يمكن أن يتقارب جُرما النيّرين، وذلك في التاسع والعشرين أو الثلاثين، أو الثامن والعشرين، هذا أمر معروف، مُدرك بالحساب، لكن السبب الشرعي الذي أدركناه بالوحي هو: أن الله (يخوّف بهما العباد) ، ولا مانع من أن يجتمع السببان الحسي والشرعي، لكن من ضاق ذرعًا بالشرع: قال: هذا مخالف للواقع ولا نصدق به، ومن غالى في الشرع: قال: لا عبرة بهذه الأسباب الطبيعية، ولهذا قالوا: يمكن أن يكسف القمر في ليلة العاشر من الشهر! .... لكن حسَب سنَّة الله عز وجل في هذا الكون: أنه لا يمكن أن يَنخسف القمر في الليلة العاشر أبدًا"انتهى.