أعلام النبلاء للذهبي (9/ 17) .
فهذه الأمثلة تبين بوضوح أن المحدثين لا يحابون أحدا، فقد يضعفون من يجلونه إذا كان لا يحفظ حديثه، ويوثقون من يحفظ حديثه الذي سمعه من شيوخه ولو كان يخالفهم في المذهب، فقصدهم حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمييز صحيحها من سقيمها، وأفنوا أعمارهم في هذا السبيل، فتفرغوا لحفظ السنة بمتونها وأسانيدها، وأتعبوا أنفسهم في جمع طرق الأحاديث وتمييز روايات الرواة، والميزان عندهم في نقد الرواة هو الحفظ والإتقان والعدالة، وعدم الخطأ والمخالفة والشذوذ، من غير محاباة لأحد، وكيف يحابون أحدا على سنة رسول الله التي عاشوا من أجل حفظها، وتخصصوا في تمييز صحيحها من سقيمها؟!!
ومن إنصافهم أنهم وثَّقوا كثيرا من الرواة مع كونهم من القدرية أو المرجئة أو الشيعة، ورووا أحاديثهم وقبلوها وصححوها، ولم يمنعهم مخالفتهم في المذهب من إنصافهم ورواية حديثهم وقبوله والاحتجاج به؛ لأن مقصدهم حفظ السنة فمن جاءهم بحديث ضبطه عن شيخه بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبلوه، واستحق عندهم أن يقبلوا رأسه، لضبطه لذلك الحديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم.
والناظر في كتب الجرح والتعديل يجد كثيرا من رواة الشيعة وثقهم أهل الحديث رحمهم الله، لصدقهم وضبطهم لما رووه، وينبغي التنبه إلى أن تشيع أولئك الرواة ليس كتشيع متأخري الشيعة الذين يدعون غير الله، ويؤمنون بغيبة المهدي المنتظر، ويجيزون المتعة، ويدينون بالتقية، وغير ذلك من الطامات، وإنما كان تشيع بعض المحدثين من الرواة هو في تقديمهم علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان رضي الله عنهما، والأمر في هذا سهل، قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (16/ 457) :"ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء - رضي الله عنهما -، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب، والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما - بلا شك - أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة أبعدهم الله"انتهى.
وهؤلاء بعض رواة الشيعة الذين وثقهم أهل الحديث كما في كتب الجرح والتعديل المشهورة:
1 -جاء في سؤالات ابن الجنيد لإمام الجرح والتعديل يحيى بن معين (ص: 421) :"سألت يحيى"