[13] انعزال الناصح الصدوق: حيث يسري إليه الشعور بالوحدة والإحباط، وأنه ليس معه أحد، وقد يغرّه سكون فلان وعلان، ويحدث نفسه منه بالخطأ، والتجاوز لا سيما وأن الكثرة تجتاح الواجد، وتغالب موقفه.
وهو كذلك لا يأمن الدوائر، وربما فكر في رزقه، ومستقبل أهله وأبنائه، فينصرف إلى مسلك الانعزال، ويتشبع بخلق الحكمة الفارغة، والمصلحة المجتثة من سياقها الصحيح! فيبيت وليس له من يناصره أو يدفع عنه، أو يتحزب معه ويرى من هو أفضل منه، قد وضع عصاه، وتحلل من ربقة المسئولية.
ولتفاوت العلماء في علومهم ويقينهم وأورادهم، تختلف مواقفهم! لأن كلًا منهم يتحرك حسب إيمانه وعلمه وثقافته، ولكن السلامة مطية الأكثرية، والراحة منية الأغلبية، والدعوة إلى الله طريق شاق، ومسلك صعب، قل من صمد فيه، وصبر على بلوائه ولأوائه ولذا وجب على أهل العلم التقارب والتواصل. وعقد الصلات العلمية والفكرية، التى تحمي جانبهم، وتظهر هيبتهم، وتحمي ضعفهم، ولا تحبط جريئهم، الذي يستحلي قول الحق ولو كان مرًا، والصدع بالمأمور، والبلاغ دون وجل أو خشية، ويتأفف من السكون والكتمان، لأنه المرتع الوضيع والمزلق الأثيم، والله المستعان ...
أما ترى قول قوم شعيب لنبيهم"وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ" [هود:91] ، ولكنه عزيز برهطه وعشيرته، فكيف لو تجمع أهل العلم تجمعًا دوريًا، وتعاقدوا على النصرة والحماية، التي تحول دول بخسهم حقوقهم، أو أذيتهم أو ابتزاز بعضهم! للانت لهم الصعاب، وانتصروا على كل ظالم لم وغاصب.
ولذا إنما ينعزل الناصح الفاضل بسبب ارتخاء إخوانه من أبناء المهنة، وشعروه بالوحدة القاتلة، وأنه من تسبب في الفرقة، والمنازعة وشتات العامة .. وهذا ليس بصحيح!!
وإنما الصحيح أن يجري العالم العامل على ما هداه الله، وبلغه من علم، ولا يحرم نفسه من حسنة وخير وتوفيق، بعد التأمل ليفتح الله، ويفك عنه، ما استغلق من الإفهام والإشكالات.