وإنما شاعت بسبب الهوان النخبوي، الذي تراكم عبر قرون من التردي والانحطاط، وأسعفه سوء فهم للعملية الدعوية، وافتقار العمل الإسلامي إلى تنظيم جاد، وتحالف وثيق، والمسخ الواضح لدور العالم العلمي والتوجيهي والإصلاحي، مع أسباب أخرى، عكست هذه الهزيمة المطبقة على أرجاء الأمة، التي تجاوزت خاصة المسلمين وفضلاءهم، لتشمل عامتهم ودهماءهم، وينتج عنه، الشعور بالضعف والمهانة، والعجز عن الإنجاز والابتكار، والتقدم بالأمة حضاريًا، وتجاوز الأعداء بالنصر أو الظهور والارتقاء، وهذا ما يسمى (بالهزيمة النفسية) التي كان من جرائها حصول الهزيمة الفكرية، التي دبت في نفوس علماء أخيار، وفقهاء أمهار، ولا أتحدث عن صور الهزيمة الأخرى من عسكرية وسياسية واقتصادية لأنها باتت كالجسور الضخمة على المحافظة الصغيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمهم هنا انتشار صور الهزيمة المختلفة التي رفعها الباري تعالى عن أهل الإيمان، لما قال:"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:139] ، ولما تحدث عن مواطن العزة قال تعالى:"وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ" [المنافقون:8] ، ولما كشف الأعداء الداخلين من ساسة النفاق ومنتحليه قال:"أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا" [النساء:139] ، وهذه الهزيمة النفسية من أفتك الأسقام الكائنة في الأمة ولن يزلزلها سوى الإيمان الصادق، والثقة بوعد الله"وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ" [الروم:47] ، وتوحد أهل العلم، ونبذهم للفرقة والمنازعة"وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" [الأنفال:46] ، والعمل المنظم الجاد وأداؤهم لرسالتهم بكل صدق وجد. كما قال تعالى:"خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ" [البقرة:63] ، ونقل مآثر الأجداد عبر حشد القرآن المتين عن النصر والتمكين، والاستفادة من دروس الواقع المعاصر التي تنير من فترة لأخرى، في عالم من الظلمة والظلم والالتباس، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون."