جـ- غربة الدين: وهذا ناتج حتمي لاندراس الشريعة وخفاء تعاليمها الذي سببه تغافل أهل العلم وعزلتهم المشينة، حيث يقل الأخيار وتندثر السنة، وتكثر البدع، وتتعاظم الشرور والمخالفات، ويغدو الحق غريبًا بين أهله ودياره، حيث تطفح الحياة بموروثات الآخرين من أعداء الإسلام والملة، فيفخمهما الأشرار، ويروجها الأذناب، ويحصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء) .
وإن عودة غربة الدين، وانحسار شرائعه ستمر بمراحل من التغيرات المريرة، والانحدارات القاسية التي تشيب لها مفارق المؤمن العامل، والعالم الناصح، جنبنا الله مشاهدها، وأعاننا على دفع الغربة بالدعوة الجادة، والإصلاح المنير والاجتماع الحقيقي والصادق.
واليقين هو لب الإيمان وخلاصته وأرقى ما فيه، وهو الذي يدفع بالنفوس للتضحيات، واقتحام الأهوال، ومقارعة الظلمة، وقول الحق على أي وجه كان، على نحو ما قال تعالى:"الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ" [الأحزاب 38] . وكقول سحرة فرعون بعد إيمانهم الكبير"فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" [طه:72 - 73] .
وهو حافز الأرواح للجنات، وتكثير الحسنات، حيث يثبت العقائد، ويوطد المبادئ، وتهون أمامه كل الشبه والتضليلات والتخرصات، وإنما يضعف بضعف العالم الذي ارتخى، واختار درب السلامة بزعمه، والحكمة المفرغة من محتواها الشرعي، وإنما السلامة في قول الحق، ونفع الناس، ونصح الأمة، وأداء زكاة العلم، وأن تقول الحق ولو كان مرًا، حسب الأحوال والمعطيات، وإذا ما قصرنا اعترفنا بضعفنا وتقصيرنا، وأعذرنا إلى الله، كما قال موسى عليه السلام في قوله تعالى:"َقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ" [المائدة 25]