وروي أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من أراد أن يُحلِّق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارًا ن نار فليسوره سوارًا من ذهب [1] .
أو أن زكاته محمولة على إعارته لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال زكاة الحلي إعارته [2] . على أنها قضايا في أعيان حالات خاصة فلا يستدل بها على الإطلاق مع إمكان حملها على حلي محظور أو للتجارة.
وأما قياسهم على الدراهم والدنانير: فالمعنى فيهما أرصادهما للنماء، فلذلك وجبت زكاتهما، والحلي غير مرصد للنماء فلم تجب زكاته، ألا ترى أن عروض التجارة لما أرصدت للنماء وجبت زكاتها، ولو أعدت للقنية ولم ترصد للنماء لم تجب زكاتها فكذلك الحلي المباح [3] .
ويكون الرأي الثاني القائل بوجوب الزكاة في الحلي المباح الذي لم يتخذ للزينة بالفعل، كأن اتخذ للكنز والادخار، وهنا يكون قد أعيد به إلى حالته الأولى من حيث كونه مرصد للنماء، وبالتالي فلا فرق بينه وبين الدنانير المخزونة والنقود المخزونة، ويدعم هذا ما روي عن سعيد بن المسيب حيث قال: الحلي إذا لبس وانتفع به فلا زكاة فيه، وإذا لم يلبس ولم ينتفع به ففيه الزكاة [4] .
وقال الإمام مالك: من كان عنده تبر وحلي من ذهب أو فضة لا ينتفع به للبس، فإن عليه فيه الزكاة في كل عام، يوزن فيؤخذ ربع عشره، إلا أن ينقص عن وزن عشرين دينارًا عينا أو مائتي درهم، فإن نقص عن ذلك فليس فيه الزكاة، وإنما تكون فيه الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس، فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه، فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة [5] .
وقال النووي: قال أصحابنا: لو اتخذ حليا ولم يقصد به استعمالًا محرمًا ولا مكروها ولا مباحا بل قصد كنزه واقتناءه، فالمذهب الصحيح وجوب الزكاة فيه وبه قطع الجمهور [6] .
وكذلك قرر الحنابلة أن ما اتخذ حليا فرارا من الزكاة لا تسقط عنه [7] .
هذا والضابط الذي يدرك حد الاستعمال للزينة من عدمه وهو:
(1) حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود في الخاتم برقم (4236) والبيهقي 4/ 140
(2) أخرجه البيهقي 4/ 140 عن ابن عمر موقوفًا.
(3) الحاوي 4/ 278، 279.
(4) الأموال ص 443.
(5) الموطأ وشرح المنتقى 2/ 107، بلغه السالك 1/ 19.
(6) المجموع 6/ 36، الروضة 2/ 260.
(7) المغني 3/ 11.