إذ القول بهذا الرأي: في هذه الظروف يتفق مع ما تقرر من أن الزكاة تجب في المال النامي، سواء كان النماء ذاتيا كالزروع والثمار والحيوانات، أو كان النماء من شأنه كالموال، أما حلي المرأة فقد عدل به عن النماء السائغ إلى الاستعمال السائغ وهو الزينة، الأمر الذي بات معروفا فيه أن حلي المرأة إذا ما اتخذ للاستعمال، فإنه يصرف للزينة التي أرادها الله للمرأة بخلقتها وطبيعة تكوينها، ونلحظ من خلال تشريعاته الخاصة بالمرأة أنه لبى فطرتها فأباح لها استعمال الذهب في نفس الوقت الذي حرمه على الرجل، وأباح ها أيضا كل ما يزينها ويرغب فيها من أجل استمرار حركة الحياة، ولما كان الأمركذلك وجب أن تسقط زكاته كسائر ما نتخذه للزينة كالثياب الفاخر واللآلئ والجواهر قال تعالى: (وتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) [1]
كما أن القول بأن الحلي المباح معد للنماء، يخالف قاعدة من قالوا بوجوبه في أشياء مناظره، فقد استثنوا الإبل العوامل أو البقر التي تستخدم في الحرث والسقي ونحوها من وجوب الزكاة، مع وجوب الزكاة في جنسها المتخذ للنماء وهو السائمة، وذلك لأنها صرفت عن المقصد المعتبر للزكاة وهو النماء إلى الاستعمال، فوجوب الزكاة في الحلي المباح دون الإبل العوامل تفريق في الحكم بين متماثلين ثبت تماثلهما، إذ كل منهما صرف من النماء إلى القنية، وذلك غير معهود في الشرع الحنيف. ويترتب على ذلك أن القياس يقتضي إسقاط الصدقة عنهما جميعًا أو وجوبها فيهما جميعًا [2] .
كما أن القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح: يتفق مع كثير من الأشياء التي لا تجب فيها الزكاة مثل العقار، لأن كلا منهما أعد للقنية فلا تجب فيه الزكاة.
كما أن العقل يستبعد أن الشريعة تبيح لها ما غلا ثمنه من اللؤلؤ والمرجان والماس والجواهر الثمينة ولا يكون فيه زكاة، ونقول بالزكاة عليها في حليها، وكلا الشيئين متاع شخصي غير مرصد للنماء فإذا كانت الزكاة لا تجب في الجواهر الثمينة، فمن باب أولى لا تجب فيما أعد للاستعمال من النقدين.
كما أنه يمكن القول: بأن الأخبار التي وردت بوجوب الزكاة فيه محمولة على متقدم الأمر حين كان الحلي محظورا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حظره في أول الإسلام في حال الشدة والضيق، وأباحه في حال السعة وتكاثر الفتوح - ألا ترى إلى ما روت أسماء بنت يزيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار" [3] .
(1) من الآية 14 سورة النحل.
(2) الأموال لأبي عبيد ص 543.
(3) حديث أسماء أخرجه البيهقي 4/ 141، وزاد: وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا من ذهب، جعل الله في أذنها مثله في النار يوم القيامة، وأخرجه النسائي 8/ 157، وأبو داود برقم 4238.