ونوقشت الآثار التي استدلوا بها بأنها معارضة بما يماثلها من الآثار التي ذكرها القائلون بعدم وجوب الزكاة في الحلي، وبوجد التعارض بين الاستدلال بالآثار، فلا تقوم حجة بأحد المتعارضين كما أنه يحتمل أن هذه الآثار نشأت عن اجتهاد خاص لا عن نص، وعلى هذا فلا يجب الأخذ بها.
ويجاب عن هذا:
بأن عدم قيام الحجة بأخذ المتعارضين من الآثار، يكون واردًا في حالة تكافؤهما، وليس لذلك محل هنا، لأن الآثار التي يستدل بها القائلون بوجوب الزكاة في الحلي المباح، قد ترجحت بموافقتها للنصوص العامة والخاصة والتي ظهر -فيما سبق- صحتها وصلاحيتها للاحتجاج بها، وعلى هذا فإنه يجب العمل بهذه الآثار لاستنادها إلى النص.
ونوقش استدلالهم بالقياس بما يلي:
فبالنسبة للوجه الأول من القياس: فإنه يرد بأن صرف الحلي المباح عن جهة النماء إلى الانتفاع والابتذال، جعله أشبه بالعوامل من الإبل ونحوها، ومن ثم فلا تجب فيه الزكاة.
أما بالنسبة للوجه الثاني:
الذي استدلوا به على وجوب الزكاة في الحلي المباح فإنه يرد عليه بأن قياس الحلي المباح على التبر قياس مع الفاروق، لأن التبر لم يستعمل استعمالا يخرجه عن وجه النماء والتنمية، فإذا يُزَكْ كان كنزًا، بخلاف الحلي، فإنه قد استعمل استعمالًا مباحا يصرفه وصفه ويضعف شبهه بالأثمان.
ويجاب عما ورد على وجهي القياس:
بأن النماء التقديري كاف في وجوب الزكاة لتقرر الإجماع على عدم وجوبها على النماء الحقيقي، فصار صرف الحلي المباح إلى الاستعمال والابتذال غير مؤثر، لأن ذلك لم يفقده النماء التقديري الذي ناط به وجوب الزكاة، فكان مثل التبر والنقد المعطل عن الاستثمار، والزكاة تجب فيها إجماعا [1] .
الرأي المختار:
بعد العرض السابق لآراء الفقهاء في المسألة التي معنا وأدلتها وما ورد عليها من مناقشات وما أجيب به عليها فإنني أميل إلى الأخذ بالرأيين والعمل بهما كل في حالته وظروفه، إذ العمل بالدليلين أو الرأيين أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر.
وأري أن يكون الرأي القائل بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح، المتخذ للزينة في الحقيقة ونفس الأمر، والمتوائم مع عادات الناس وأعرافهم في كل زمان ومكان.
(1) المجوع 6/ 69.