فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 65

فقد توركوا على ما ذكره جمهور البصريين وأوضحوا في ردهم أن مذهب النحاة في جعل (كلا) قاصرًا على معنى الردع ومن ثم يجب الوقوف عليها"لأنها زجر وردع لما قبلها وأما ما بعدها فهو منقطع عنها" [1] .. يرد عليه ما صُدّر به (كلا) من آي التنزيل أو جاء منفصلًا عما قبله على نحو ما جاء في قوله سبحانه (كلا إن الإنسان ليطغى .. العلق/ 6) .

كما أوضحوا في ردهم على مذهب الكسائى وجمهور الكوفيين أن جعلها دومًا بمعنى (حقًا) ، ومن ثم يجب البدء بها لتأكيد ما بعدها، يرد عليه ما جاء في آي الذكر الحكيم بعد (كلا) مكسورًا همزته [2] من نحو قوله تعالى: (كلا إن معي ربي سيهدين .. الشعراء/ 62) وما ذلك إلا لوجوب فتح همزة (إن) بعد حقًا وهى في هذه وما جاء على شاكلتها مكسورة.

وصرحوا كذلك بأن مذهب النضر والفراء ومن نحا نحوهما ممن ارتضوا أن تكون (كلا) حرف جواب بمعنى (إي) و (نعم) ، يرد عليه هو الآخر مجيئ (كلا) في بعض الآيات بعد طلب مراد به الوعيد كما في قوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا .. المؤمنون/99، 100) ، لأنها لو كانت بمعنى نعم لكانت وعدًا من الله بالرجوع إلى الدنيا بينا سنته سبحانه في عباده أنهم إليها لا يرجعون.

إذ تصب هذه الضوابط - من دون شك - في دائرة مراعاة سياقات الكلام ومقتضيات الأحوال، كما يصب في نفس الدائرة ما دبّجوه في صفحات كتبهم من أن (كلاّ) لو قدر لها أن تأتى بمعنى (حقًا) فلا يكون ذلك على جهة الدوام ويجب - والحال هكذا - الابتداء بها لتأكيد ما بعدها، ولو ساغ جعلها للاستفتاح بقصد التنبيه لما بعدها فإنه يجب أيضًا البدء بها لتعلقها كذلك بما بعدها، وإنها إن كانت للردع والزجر أو للنفي والرد فإنه يجب الوقوف عليها لتعلقها ساعتئذ بما قبلها يقول مكي بن أبى طالب في بعض ما ذكرنا:"وتكون (كلا) بمعنى حقًا - وهو مذهب الكسائي - فيبتدأ بها لتأكيد ما بعدها، ولا تستعمل بهذا المعنى عن حذاق النحويين إلا إذا ابتدئ بها لتأكيد ما بعدها، وقد يبتدأ بها ولا يجوز أن تكون بمعنى (حقًا) لعلة" [3] .

ويقول ابن هشام في تقرير ما ذكرنا: إن ما قال به أكثر البصريين"فيه نظر لأن .. معنى الزجر في (كلا) المسبوقة بنحو (في أي صورة ما شاء ركبك .. الانفطار/8) (يوم يقوم الناس لرب العالمين .. المطففين/6) (ثم إن علينا بيانه .. القيامة/ 19) ، وقولهم في معناه: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث وعن العجلة بالقرآن"

(1) معالم الاهتداء ص 139 وينظر المغنى 1/ 319، 320.

(2) وقد جاء ذلك في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم.

(3) شرح كلا وبل ونعم ص 24،25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت