فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 65

تعسف، إذ لم يتقدم في الأولين حكاية نفى ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين (كلا) وذكر العجلة، وأيضًا فإن أول ما نزل خمس آيات في أول سورة العلق، ثم نزل (كلا إن الإنسان ليطغى .. العلق/6) فجاءت في افتتاح الكلام"، وتابع يقول: إن"قول الكسائى .. لا يتأتى في نحو (كلا إن كتاب الأبرار .. المطففين/18) (كلا إن كتاب الفجار .. المطففين/7) (كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون .. المطففين/15) لأن (إن) تكسر بعد (ألا) الاستفتاحية ولا تكسر بعد حقًا ولا بعد ما كان بمعناها"، ثم أردف ذلك بالقول بأنه"إذا صلح الموضع للردع ولغيره جاز الوقف عليها والابتدء بها على اختلاف التقديرين والأرجح حملها على الردع لأنه الغالب فيها .. وقد تتعين للردع أو الاستفتاح نحو (ارجعون كلا إنها كلمة .. المؤمنون /99،100) لأنها لو كانت بمعنى حقًا لما كسرت همزة إن، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع لأنها بعد الطلب، كما يقال (أكرم فلانًا) فتقول: (نعم) ، وكذا (قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين .. الشعراء/ 61، 62) وذلك لكسر إن ولأن (نعم) بعد الخبر للتصديق، وقد يمنع كونها للزجر نحو (وما هي إلا ذكرى للبشر. كلا والقمر .. المدثر/ 31، 32) ، إذ ليس قبلها ما يصلح رده" [1] "

ونرمق أن كلام كلٍّ من محققي علماء القراءات الذين اخترنا منهم مكي بن طالب القيسي ومحققي النحاة الذين اخترنا منهم ابن هشام، وكلام أهل البيان في مراعاة المقتضى يخرج من مشكاة واحدة، ولا عجب في ذلك إذا عرفنا أن الوقف والابتداء هو أصل موضوع الوصل والفصل ومصدر إلهام البلاغيين في تأصيل قواعده.

وإنما نعمد لكلام المحققين من النحاة وأهل التجويد واللغة ونخصه بالذكر، لأن غيرهم ممن ليسوا من أهل التحقيق لم يضعوا هذه الضوابط في الحسبان، فاختلت لديهم بالتالي معالم الوقوف وعصف سوء صنيعهم هذا, بدقيق المعاني. فتحت باب الاختلاف في الوقف والابتدء على (كلا) يحكى إمام حذاق التجويد مكي بن أبى طالب ذلك عنهم فيقول:"اختلف القراء والنحويون في الوقف على (كلا) والابتداء بها فذهبت طائفة إلى أنها افتتاح كلام - في إشارة لمذهب أبي حاتم علي ما هو معروف وعلى ما صرح هو به فيما بعد - ولا يوقف عليها البتة عندهم, ويوقف علي ما قبلها بكل حال, وذهبت طائفة إلي أنها يوقف عليها إذا كانت رأس آية خاصة وهو مذهب نصير المغربي [2] ، وذهبت طائفة إلي أنه يوقف عليها في كل موضع، فإذا كان قبلها ما يرد وينكر كان معناها: (ليس الأمر كذلك) نحو (أم اتخذ عند الرحمن عهدًا .. مريم/78) ، وإذا كان قبلها ما لا يرد ولا ينكر كان معناها: حقا، نحو (تظن أن يفعل بها فاقرة. كلا .. القيامة/ 25) أى حقا ما"

(1) المغنى 1/ 320،321.

(2) هو نصير بن يوسف بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أخذ القراءة عرضًا عن الكسائي، وهو من أجلة أصحابه وعلمائهم وله باع في رسم المصحف، وله فيه تصنيف، وكان ثقة ضابطًا عالمًا بالقراءات ونحوها ولغتها، توفي في حدود الأربعين ومائتين [ينظر طبقات القراء لابن الجزري 2/ 340،341] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت