فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 57

دخلت البشرية ألفية ثالثة ميزها انفتاح اقتصادي لا مثيل له، وإن كان ما يبرز هذا الانفتاح بالنسبة للدول المتقدمة هو ضرورة النمو المتوقف على التوسع المتنامي للأسواق، أما من جهة الدول النامية فهو مطلب لتحقيق تنمية مستدامة.

هذا المفهوم الذي بدأ يطفو على السطح بقوة منذ أواخر القرن الماضي ليحتل مكان الصدارة لدى الباحثين و المهتمين بالبيئة وصناع القرار، ومرد هذا الاهتمام الضغوط المتزايدة على الإمكانات المتاحة في العالم المتقدم والمتخلف، انطلاقا من واقع كل منهما، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن النمو الديموغرافي والتنمية الاقتصادية من جهة واستعمال الموارد البشرية من جهة أخرى كانت إحدى الظواهر التي لزمت البشرية في تطورها عبر الزمن، بمعنى أن موضوع التنمية مازال يشكل تحد لا يستهان به للمجتمعات في الماضي و الحاضر وانشغالا لأجيال المستقبل.

ثم إن معالجة ظاهرة التنمية المستدامة تعني ببساطة مواجهة المعضلات الأساسية التي تواجه تنمية الجماعة في عالم اليوم، وقد أثبت الواقع بأن النماذج التقليدية لم تستطع أن تحل مشاكل الغالبية العظمى من سكان المعمورة سيما تلك التي تعيش ظروفا بائسة في تاريخنا المعاصر، وفي الوقت ذاته فان السياسات المنتهجة لإحداث نقلة نوعية في اقتصاديات دول العالم قد أدت فعلا إلى اثراء فئات قليلة وحركت النمو في اقتصاديات كثيرة، وغيرت ملامح قطاعات في المجتمعات التقليدية بيد أنها لم تساهم في حل القضايا الشائكة التي تواجه شرائح واسعة من المستضعفين في الأرض بل أفرزت ظاهرة التمايز الطبقي المقيت وأكثر من ذلك ساهم هذا التطور في التهام الكثير من الثروات الطبيعية في تدهور البيئة وفي وضع مصير الإنسان أمام مستقبل مجهول.

وتزداد المشاكل التي تواجهها البشرية في عالم اليوم حدة وتعقيدا، اتضح ذلك جليا في الدول النامية أكثر منها في الدول المتقدمة، ومرد هذا التعقيد أسباب عدة منها ماله علاقة بالسياسات التنموية التي تم تبنيها و توظيفها ميدانيا ومنها ما له علاقة بالإنسان في علاقته مع البيئة، كما أن الأنظمة السياسية القائمة في غالبية الدول النامية تتسم بالاستبدادية والتخلف فعندما ظهرت فكرة التخطيط كأداة لتحقيق التنمية المنشودة عبرت عنها تلك الدول بطريقتها الخاصة، فبدل انتهاج سياسة تخطيط التنمية بادرت إلى اتخاذ سياسة تخطيط النمو وهذا لتطوير البنى التحتية للاقتصاد وإرساء الصناعات الكبيرة الغير مدروسة في المدن مع اختلال التوازن بين الأرياف والمدن وهذا ما أدى في زيادة الطلب على الكثير من الخدمات مع إهمال قطاع الزراعة.

ولأن أهمية البحث من كونه يعالج أحد المواضيع التي اكتست جاذبية ووهجا كبيرين منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ومرد هذه الأهمية أن التنمية المستدامة لم يقتصر دورها على الإنسان فحسب بل امتدت إلى البيئة التي يتواجد فيها هذا الإنسان وكل الكائنات الأخرى المهدد بعضها بالانقراض.

وقد اكتسى هذا المفهوم أهمية متميزة ليمس مناطق شاسعة من هذا العالم كما أنه يتسم بالشمولية ليساهم في إيجاد الحلول للقضايا الشائكة التي تواجهها البشرية ويأمل من هذا البحث حصر الأهداف المتمثلة فيما يلي:

-توضيح المفاهيم التي لها علاقة بموضوع التنمية المستدامة لإمكانية وضع تصورات جدية واتخاذ إجراءات كفيلة لهذا الموضوع.

-دراسة إستراتيجية التنمية المتبعة في الجزائر لكونها البلد الإفريقي الرائد في هذا المجال.

-حصر المعوقات التي تواجه الإنسان وتهدد البيئة في عالم اليوم وتحول دون تحقيق طموحات الأجيال الحاضرة والمستقبلية في العيش الكريم.

كما أن هذا البحث يعد مساهمة متواضعة للفت أنظار الباحثين والمهتمين سيما في الدول العربية وخاصة الجزائر من أجل طرح تصورات واستراتيجيات فعالة لتجاوز معضلات الحاضر والاستعداد للتحديات المستقبلية

وإذا كان مصطلح التنمية المستدامة نابعا من مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية المنعقد في ربو دي جانيرو عام 1992، فما معنى هذا المصطلح؟ وماهي الأبعاد الحقيقية التي تكون كفيلة له بتشكيل إطار مرجعي يمكن الاعتماد عليه في حل مشاكل الإنسان وحماية البيئة؟ وإذا كانت الجزائر من بين الدول النامية التي تسعى إلى الخروج من الحلقة المفرغة للتخلف من خلال الاستراتيجيات التنموية المنتهجة عقب الاستقلال في مختلف المجالات سيما المجال الاقتصادي، فماهي السياسات أو الاستراتيجيات المتبعة في عملية التنمية في ظل الأوضاع الراهنة؟ وما هي الرهانات والتحديات التي تواجه الجزائر مستقبلا في مجال التنمية؟

وللإلمام بجوانب الموضوع اعتمد على المنهج التاريخي والوصفي والتحليلي مع تقسيم البحث إلى ثلاثة فصول اهتم الفصل الأول بدراسة التنمية المستدامة من جانب، مفهومها و أبعادها، أما الفصل الثاني فشمل دراسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت