فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 57

وذلك من خلال"الحصول على الحد الأقصى من منافع التنمية الاقتصادية، بشرط المحافظة على خدمات الموارد الطبيعية ونوعيتها".

كما انصبت تعريفات اقتصادية أخرى على الفكرة العريضة القائلة بأن"استخدام الموارد اليوم ينبغي ألا يقلل من الدخل الحقيقي في المستقبل"، وتقف وراء هذا المفهوم"الفكرة القائلة بأن القرارات الحالية ينبغي ألا تضر بإمكانيات المحافظة على مستويات المعيشة في المستقبل أو تحسينها، وهو ما يعني أن نظمنا الاقتصادية ينبغي أن تدار بحيث نعيش على أرباح مواردنا ونحتفظ بقاعدة الأصول المادية ونحسنها".

المطلب الثالث: علاقة السلم بالتنمية المستدامة

لقد كان لمفهوم التنمية المستدامة دور بارز في استمالة الباحثين والسياسيين للتأمل في الروابط بين الأزمات في المجالات التنموية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، إلا أن هناك جملة من القضايا المتداخلة التي تعتبر من الشروط الأساسية للتنمية المستدامة، وهي السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والاستعمال الجيد والعقلاني لمصادر الطاقة ومشاركة المجتمع المدني في صناعة القرار والتوزيع العادل للثروة، إلا أنه مهما تعددت الشروط وتشابكت فان تجسيد التنمية في الواقع العملي يتطلب توفير السلم في المقام الأول.

والملاحظ أنه مع نهاية الحرب الباردة، أصبح اهتمام المجموعة الدولية منصبا حول السلم الدائم ووضع حد للنزاعات وتحقيق التنمية المستدامة، وبالتأمل إلى هذين الموضوعين اللذين هيمنا على النقاش السياسي خلال التسعينات من القرن العشرين فان مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو قد تبنى خطوة هامة في اتجاه الفهم الصحيح لكل من التنمية المستدامة وعملية السلم خلال القرن الواحد والعشرين.

وبالرغم من الدراسات المستفيضة حول العلاقة بين السلم والتنمية فقد بقيت نتائج هذه الدراسات دون أدلة مقنعة وقاطعة، ومع ذلك فمن البديهي القول بأن تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة تعطي بريقا من الأمل بإزالة أنواع عديدة من الحالات التي تفضي إلى ظهور النزاعات واندلاع الحروب وفي حالات كثيرة يمكن التأكد من احتمال حدوث صدامات مسلحة، غير أن التنمية المستدامة غيرت هذه العلاقة بشكل جذري عندما أوضح إعلان ريو دي جانيرو في المادة 25 بأن السلم والتنمية وحماية البيئة متداخلة وغير قابلة للتقسيم [1] ، إلا أن عددا من الأسباب الأولية للنزاع مرتبطة بالتنمية المستدامة، فمن المظاهر التي تعد بمثابة تحد للسلم وتحقيق التنمية المستدامة مشكلة النمو الديموغرافي الذي يتزايد بوتائر أسرع من تجاوب الموارد الطبيعية المتاحة والتكنولوجيا السائدة وتزايد الضغط على المياه العذبة وانجراف التربة والنزاعات حول المناطق المتضمنة للمصادر الإستراتيجية وزيادة الفوارق الاجتماعية وظهور تدفقات الهاربين من الحروب والمجاعة والمظاهر الأخرى المدمرة للسياسة والاقتصاد والبيئة، ومثل هذه المظاهر تتواجد في العديد من الدول سيما في إفريقيا كالسودان والصومال والدول المجاورة للبحيرات، ومن البديهي القول بأن انعدام السلم يعني حالة الحرب والنزاع مما يِؤدي إلى استنزاف المصادر التي كان من الممكن توظيفها لترقية رفاهية المواطنين، فضلا عن ذلك، فان النزاعات المسلحة غالبا ما تلحق أضرارا بالغة بالموارد الطبيعية والبنى التحتية وبالإنسان ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما حدث ويحدث من حروب ومواجهات دامية في الجزائر وساحل العاج و العراق وفلسطين وأفغانستان وكشمير والشيشان وقد أكدت إحدى الباحثات من جامعة تورنتو بكندا بأنه:

وهذا يعني أن تحقيق التنمية المستدامة تساهم في إلغاء الأسباب الحقيقية للنزاع كتخفيض نسبة الفقر والتقليل من اللامساواة وتوزيع الموارد المتاحة بكيفية تستفيد منها شرائح واسعة من المحرومين، ثم إن تحسين الظروف الاجتماعية تعد عملية أساسية في ترقية السلم داخل مناطق عديدة من العالم، كما تستطيع التنمية المستدامة أن تساهم في حالة الاستقرار والسلم إذا كانت التنمية شاملة حيث تلعب فكرة التنظيم المتعدد الأطراف دورا كبيرا على كل هذه الجبهات اقتصاديا أو بيئيا أو سياسيا، فإذا أخذنا مثلا قضية المياه العذبة، فإننا نلاحظ السعي المتواصل للهيمنة عليها يشكل أحد المصادر الرئيسية للنزاع في كثير من مناطق العالم كما هو الشأن بالنسبة لإسرائيل ولبنان، تركيا مع العراق وسوريا، السنغال وموريتانيا، كما تشير الدراسات الإستراتيجية إلى أن الحروب الكبيرة التي ستظهر خلال القرن الواحد والعشرين سيكون موضوعها السيطرة على المياه العذبة لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت