فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 57

المعطوبين وذوي العاهات وعودة اللاجئين بدون مأوى. كما سجلت قلة الموارد اللازمة للحياة كمياه الشرب والكهرباء، أما قطاعي الصحة والتعليم لم يكونا في مستوى حاجيات الشعب، الوضعية الاجتماعية إذن معقدة، مزرية، متدهورة، ومنبئة بإمكانية انفجار الوضع العام.

3 -الظروف السياسية: إن الظروف السياسية ميزتها الصراعات حول نمط بناء الدولة ومختلف مؤسساتها، هذه الاختلافات والصراعات والتباينات أدت إلى إنزلاقات ومجابهات كادت - لولا الحكمة - أن تدخل البلاد مرة أخرى في دوامة الحروب مع محاولات التدخل الأجنبي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

تلك إذن هي الظروف المتشابكة والمعقدة التي ورثها المجتمع الجزائري. الوضع في الجزائر غداة الاستقلال لم يختلف عن الأوضاع المعروفة في البلدان المستقلة حديثا، فنيل الاستقلال السياسي وحده غير كاف لإقامة دولة قادرة على تسيير شؤون الشعب و تلبية حاجياته.

لقد أدت هجرة المعمرين للمزارع و الوحدات الصناعية و هجرة الفنيين و الإطارات إلى خلق أوضاع في غاية الصعوبة و التعقيد. هذه الأوضاع أثرت في اتخاذ القرارات الأولى للجزائر المستقلة بداية من الفترة 1962 - 1965، والتي اتسمت بمحاولة تشغيل الوحدات الصناعية و التجارية و المزارع من خلال أول سياسة اقتصادية وضعت حيث تم انتهاج نظام التسيير الذاتي وهو أول شكل من أشكال التسيير التي عرفتها المنظومة الاقتصادية الجزائرية، وهو ما أدى لاحقا إلى تدهور الاقتصاد الجزائري مما جعل البعض يقولون بأن الاقتصاد يقدم للباحثين إطارا مميزا لبناء نظرية ملائمة عن التدهور الاقتصادي theorie de decroissance [1]

ولأن هشاشة النظام السياسي القائم والصراعات القائمة حول مفهوم الدولة أدت إلى تغيير نظام الحكم حيث اعتلى بومدين السلطة وأطيح بأحمد بن بلة، حيث وصف بيان 19 جوان 1965 السياسة الاقتصادية بأنها اشتراكية عشوائية واقترح قيام منظومة سياسية تقوم على مبدأ الاشتراكية العلمية، ويجمع الاقتصاديون على أن سنة 1967 قد شهدت المرحلة الحقيقية لدخول الجزائر في التنمية بمفهومها العلمي [2] ، من خلال الركائز التالية:

أ الركيزة الأولى تتمثل في سياسة استرجاع الثروات الوطنية وهو ما نلتمسه من سلسلة التأميمات التي قامت بها الجزائر.

ب- الركيزة الثانية تتعلق باختيار الجزائر للمنهج القائم على التخطيط المركزي، المخطط الثلاثي 1967 - 1969 ثم مخططين رباعيين 1970 - 1973 و 1974 - 1977.

ج الركيزة الثالثة تتمحور حول التصنيع، المستوحاة من نظرية (ج. دي برنيس) والتي طبقتها بعض البلدان النامية وخاصة الجزائر في مجال الصناعة الثقيلة قد أعطت بعض النتائج الايجابية التي بقيت ماثلة للعيان إلى يومنا هذا فمركب الحجار للحديد والصلب بعناية لايخلو مشروع صناعي أو قطاع البناء والأشغال العمومية والري من مادته الأولية [3] ، بمعنى أن السياسة الجزائرية ارتكزت على نموذج الصناعات المصنعة لأن الأفكار الاقتصادية الواردة في مختلف نظريات التنمية ركزت بشكل كبير على الصناعة، ناهيك عما حققته الدول التي سبقت و انتهجت النماذج المبنية على قطاع الصناعة كضرورة حتمية للتنمية مقتنعين بأن لا تنمية بدون صناعة، و هو مايلاحظ عند جميع الشعوب المستقلة حديثا التي طمحت لتحقيق تنمية بإنشاء قطاع صناعي قوي [4] يتماشى مع التطورات الحاصلة.

المطلب الثاني: الانفتاح الاقتصادي 1979 - 1988

إن دراسة السياسات الاقتصادية للفترة 1979 - 1988 تقودنا إلى الحديث عن الأحداث التي سبقت سنة 1980، هاته الأحداث التي لها أهميتها في تاريخ الجزائر الاقتصادي، و التي يمكن أن نحصرها في وصول التجربة الجزائرية في التخطيط و التنمية إلى مستوى كان يتطلب إعادة النظر في الطرق التي سيرت بها التنمية خلال عشرية كاملة و ما أنجر عنها من تفاعلات اجتماعية و تغيرات هيكلية في الاقتصاد الجزائري و ما مدى بلوغ الأهداف المسطرة و البارزة المعالم في مختلف الخطط المبرمجة، وإجراء حصيلة للتجربة الجزائرية التنموية لم

(2) - محمد بلقاسم (حسن بهلول (،سياسة تخطيط التنمية وإعادة تنظيم مسارها في الجزائر، ج 1، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1999، ص 72.

(3) - محمد (يعقوبي) ، الأخضر (عزي) ، تحليل مشاكل التنمية من منظور اقتصاديات التنمية، الجزائر: جامعة محمد بوضياف، ص 11.

(4) - عبد الكريم (بن أعراب (،حاضرات في قانون العلاقات الاقتصادية الدولية، مخصصة لطلبة السنة الأولى في مقياس السياسات الاقتصادية الجزائرية، جامعة المسيلة:

2002،ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت