لقد برز مفهوم التنمية بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية حيث لم يستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصاد البريطاني لآدم سميث في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ولكنه استخدم لإحداث مجموعة من التغيرات الجذرية داخل المجتمع الهدف منه هو اكتساب التطور المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكافة أفراد المجتمع أي زيادة قدرة المجتمع للاستجابة للحاجيات الأساسية لأعضائه بالصورة التي تكفل زيادة درجات الإشباع لتلك الحاجات عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد، ولأن التنمية كما عرفها المفكر بول بودان على أنها الزيادة على مر الزمن في الإنتاج المادي بالنسبة للفرد وتعني زيادة الإنتاج بزيادة إنتاجية العمل [1] ، وقد اختلف المنظرون والباحثون الاقتصاديون في تحديد مفهوم التنمية، فهناك من وصفها بأنها عملية نمو شاملة تكون مرفقة بتغيرات جوهرية في بنية اقتصاديات الدول النامية [2] ، وتشمل هذه التغيرات الاهتمام بالصناعة التي تحتل الصدارة في السياسات الاقتصادية وتتضمن أيضا هجرة القوى العاملة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية وتقليل الواردات من السلع الاستهلاكية وتقليص الاعتماد على المساعدات المالية من الدول الأخرى وعلى المنتجات الفلاحية والمعدنية في الصادرات، أما الماركسيون فكانوا ينظرون إلى التنمية من خلال التغيرات إلى تحدث في نمط الإنتاج المتجر في النظام الرأسمالي وفي الصراع الطبقي وقد كان تعريفهم لنمط الإنتاج من منظور الملكية والرقابة على وسائل الإنتاج ونوع الحكومة والنظام القانوني، وتتصل هذه العناصر جميعها بمستوى التنمية للعلاقات الاجتماعية للإنتاج ولقوى الإنتاج، ومن خلال هذه العناصر تبرز الأزمات تحت تأثير التفاعلات الداخلية مما يؤدي إلى العمل الثوري، وتعود الاختلافات في مفهوم التنمية إلى التباين في القناعات الإيديولوجية غداة انقسام العالم إلى معسكرين، غير أن الفجوة بدأت تتسع بين الأغنياء في الشمال والفقراء في الجنوب منذ الحرب العالمية الثانية، وقد اتضح ذلك جليا عندما استعمل مصطلح التخلف underdevelopment وكان هذا التصور يومها أن الزيادة في الإنتاج هي السبيل إلى الرخاء والسلم، ومن اجل ذلك واجه قادة الدول النامية المستقلة تحديات كبرى في محاولاتهم تحقيق التنمية الاقتصادية التي أصبحت تمثل انشغالهم الأول، ومن هنا كانت الضغوط لزيادة الإنتاج، ولتحقيق ذلك وضعت مخططات للتنمية وكأن الفكرة السائدة آنذاك تقول بأن الإنسانية يجب تقييمها بما تنتجه، ومع تطور الأحداث الاقتصادية واتساع الفجوة بين دول الشمال والجنوب و كذا الزيادة المفرطة الموارد المتاحة ظهر مفهوم حديث عرف بالتنمية المستدامة، وتقوم فكرة التنمية المساعدة على المبدأ القائل بأنه لا يجوز للحاضر أن يستهلك المستقبل، وقد برز هذا المفهوم على يد اللجنة العالمية المعنية بشؤون البيئة والتنمية عام 1987، وقصد به التنمية التي تعمل على تلبية حاجات الجيل الحاضر من غير أن تلوث البيئة أو تستنزف الموارد الطبيعية بما يعرض احتياجات الأجيال المقبلة للخطر، وعليه فقد نشأت علاقة متبادلة بين التقدم الاقتصادي وحماية البيئة، وهذا الوضع دفع بالحكومات والمنظمات إلى رفع الصوت عاليًا، وإدخال مسألة البيئة وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية في صلب إستراتيجية التخطيط الاقتصادي والتنمية المستدامة لصالح الأجيال المقبلة، بل أصبحت الحماية البيئية والتنمية المستدامة من أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين وأصبح مثلث التنمية
يقوم على ثلاثة محاور أساسية:
-تنمية الموارد البشرية.
-التنمية الاقتصادية.
-الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية.
وقد قبلت فكرة التنمية المستدامة بأوسع معانيها وتم إقرارها على صعيد واسع، إلا أنه تبين أن ترجمة هذه الفكرة إلى أهداف وبرامج وسياسات عملية، يعتبر مهمة صعبة، لأن الأمم المتحدة كانت ولا زالت تخضع لقوى رأسمالية لا ترى من مصلحتها التنازل عن نمط إنتاجها المدمر للبيئة، ورغم ذلك يعتبر مؤتمر الأمم المتحدة المتعلق بالبيئة والتنمية جهدا ذو أهمية كبيرة في اتجاه الاهتداء إلى أرضية مشتركة بين المصالح المتعارضة والشروع في عملية التغيير التي تحتاج إليها التنمية المستدامة.
المطلب الثاني: تعريف التنمية المستدامة
إذا كانت النظرة التقليدية للتنمية تركز على القضايا التنموية في عدد كبير من دول العالم سيما النامية منها فان التنمية بهذا المنظور قد أغفلت جوانب لها دورها الجوهري في حياة البشرية حاضرا ومستقبلا، وبعبارة أخرى
(1) - عبد الله (زوبيري) ،محاضرات في العلوم السياسية مخصصة لطلبة السنة الثانية في سياسات التنمية، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة المسيلة.