إلى استثمارات كبيرة في التعليم والتنمية البشرية، ولاسيما في البلدان الأشد فقرا، والتعاون التكنولوجي يوضح التفاعل بين الأبعاد الاقتصادية والبشرية والبيئية والتكنولوجية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة.
-المحروقات والاحتباس الحراري: كما أن استخدام المحروقات يستدعي اهتماما خاصا لأنه مثال واضح على العمليات الصناعية غير المغلقة، فالمحروقات يجري استخراجها وإحراقها وطرح نفاياتها داخل البيئة، فتصبح بسبب ذلك مصدرا رئيسيا لتلوت الهواء في المناطق العمرانية، وللأمطار الحمضية التي تصيب مناطق كبيرة، والاحتباس الحراري الذي يهدد بتغير المناخ، والمستويات الحالية لانبعاث الغازات الحرارية من أنشطة البشر تتجاوز قدرة الأرض على امتصاصها، وإذا كانت الآثار قد أصبحت خلال العقد الأخير من القرن العشرين واضحة المعالم، فإن معظم العلماء متفقون على أن أمثال هذه الانبعاثات لا يمكن لها أن تستمر إلى ما لا نهاية سواء بالمستويات الحالية أو بمستويات متزايدة، دون أن تتسبب في احتراز عالمي للمناخ، وسيكون للتغييرات التي تترتب عن ذلك في درجات الحرارة وأنماط سقوط الأمطار ومستويات سطح البحر فيما بعد - ولاسيما إذا جرت التغييرات سريعا- آثار مدمرة على النظم الإيكولوجية وعلى رفاه الناس ومعاشهم، ولاسيما بالنسبة لمن يعتمدون اعتمادا مباشرا على النظم الطبيعية.
-الحد من انبعاث الغازات: ترمي التنمية المستدامة في هذا المجال إلى الحد من المعدل العالمي لزيادة انبعاث الغازات الحرارية، وذلك عبر الحد بصورة كبيرة من استخدام المحروقات، وإيجاد مصادر أخرى للطاقة لإمداد المجتمعات الصناعية، وسيكون من المتعين على البلدان الصناعية أن تتخذ الخطوات الأولى للحد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون co 2 واستحداث تكنولوجيات جديدة لاستخدام الطاقة الحرارية بكفاءة أكبر، وتوفير إمدادات من الطاقة غير الحرارية تكون مأمونة وتكون نفقتها محتملة، على أنه حتى تتوافر أمثال هذه التكنولوجيات، فالتنمية المستدامة تعني استخدام المحروقات بأكفأ ما يستطاع في جميع البلدان.
-الحيلولة دون تدهور طبقة الأزون: والتنمية المستدامة تعني أيضا الحيلولة دون تدهور طبقة الأوزون الحامية للأرض، وتمثل الإجراءات التي اتخذت لمعالجة هذه المشكلة سابقة مشجعة: فاتفاقية كيوتو جاءت للمطالبة بالتخلص تدريجيا من المواد الكيميائية المهددة للأزون، وتوضح بأن التعاون الدولي لمعالجة مخاطر البيئة العالمية هو أمر مستطاع، لكن تعنت الولايات المتحدة الأمريكية واعتقادها بأن قوتها أصبحت فوق إرادة المجتمع الدولي جعلها ترفض التوقيع على هذه الاتفاقية ما دام أن لا أحدا يستطيع إجبارها على ذلك.
خلاصة
من خلال ما تم دراسته يمكن القول بأن التنمية المستدامة كانت في بداية ظهورها مفهوما مجردا، حيث ما لبث أن شهد تقدما واضحا في التحديد النظري الدقيق للمفهوم، وتتجلى أهمية هذا المفهوم من الدراسات والتطبيقات العملية للتنمية المستدامة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية، وواضح أن الأمم المتحدة قد لعبت دورا هاما في تقديم مفهوم التنمية المستدامة من خلال المؤتمرات العالمية كمؤتمر برونتلاند ومؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو 1992، وقمة جوهانسبورغ 2002 والترويج له في الأوساط الرسمية والمنظمات غير الحكومية والمثقفين والصحافيين، وواضح أن هذا المفهوم يدعو إلى تعدد الاختصاصات و كذا التقارب بين وجهات النظر العلمية التي تعتبر إلى حد الآن متباعدة، لأجل توحيد التخصصات البيئية و الاقتصادية. و يمنح لهذين الحقلين العلميين إمكانيات المصالحة. و تعبر الأبعاد الحقيقية للتنمية المستدامة عن طبيعته المتعددة الاختصاصات بشكل واضح. فالتنمية المستدامة بتأكيدها على مبدأ الحاجات البشرية، مسألة السلم الصناعي، أي الحاجات التي يتكفل النظام الاقتصادي بتلبيتها، لكن الطبيعة تضع حدودا يجب تحديدها واحترامها في مجال التصنيع و الهدف من وراء كل ذلك هو التسيير و التوظيف الأحسن للرأسمال الطبيعي بدلا من تبذيره، أما البعد الاقتصادي للتنمية المستدامة فيمثل الانعكاسات الراهنة و المقبلة للاقتصاد على البيئة، لأنه يطرح مسألة اختيار و تمويل و تحسين التقنيات الصناعية في مجال توظيف الموارد الطبيعية، فتوفيق التنمية المستدامة بين هذين البعدين، ليس في أخذها بعين الاعتبار المحافظة على الطبيعة فحسب، بل بتقديرها لمجموع العلاقات المقامة بين الطبيعة و بين الأفعال البشرية كذلك، كما تمنح التنمية المستدامة، باعتبارها مؤسسة على التآزر بين الإنسان و البيئة، الأفضلية للتكنولوجيات، و المعارف والقيم التي تضع في الأولية الديمومة الكبيرة. كما تدافع التنمية المستدامة عن عملية تطوير التنمية الاقتصادية التي تأخذ في حسابها على المدى البعيد، التوازنات البيئية الأساسية باعتبارها قواعد للحياة البشرية، الطبيعية والنباتية، كما تتميز التنمية المستدامة بالبعد