ولذلك أنكر الله - عز وجل - على قوم لوط فعلتهم الشنيعة وأنزل عليهم عذابًا لم يسبق له مثيل في الأمم السابقة. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) } {هود: 82} وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) } {الحجر: 74 - 73}
إن القرآن الكريم عندما نهى عن الزنا والفحشاء والمنكر، أخذ بعين الاعتبار أن الفاحشة بكافة أنواعها، لا يمكن القضاء عليها نهائيًا في المجتمع الإسلامي، فقد يوجد من يرتكب الفاحشة والمنكر خفية وبعيدًا عن الأنظار، ولايطلع عليه أحد إلا الله، ومع ذلك لم تأذن لنا الشريعة الإسلامية للقضاء على المنكرات بتتبع عورات الناس، والبحث عن أسرارهم، والتجسس عليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ، يتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، يفْضَحْهُ فِي بَيتِهِ) . [1]
لذلك اشترط العلماء في تغيير المنكر أن يكون المنكر ظاهرًا بغير تجسس أو تفتيش، فإذا توقف إظهار المنكر على التجسس والتفتيش لم يجز إظهار المنكر؛ لأن الله حرم التجسس في قوله: {وَلا تَجَسَّسُوا} {الحجرات: 12} ، ولأن للبيوت حرمة، وللأشخاص حرمة، لا يجوز انتهاكها قبل أن تظهر المعصية، فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه، لا يجوز أن يتَجسس عليه، وقد نهى الله تعالى عنه [2] .
فإن قيل: كيف نستطيع أن نفرق بين خفاء الفاحشة والمنكر، فلا نتتبع عورات الناس، و بين شيوعه، فننهى عنه؟
يقول الإمام الغزالى رحمه الله:"فاعلم أن من أغلق باب داره، وتستر بحيطانه، فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه، لتعرف المعصية، إلا أن يظهر في الدار ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات"
(1) سنن أبي داود، أبو داود، سليمان بن الأشعث، كتاب الأدب، باب الغيبة، حديث رقم 4880، 4/ 270. ذكره الألباني في"صحيح وضعيف سنن أبي داود" (4880) وقال: حسن صحيح.
(2) : التشريع الجنائي في الإسلام، عودة، عبدالقادر، (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ط، د. ت) ، 2/ 55، وإحياء علوم الدين، الغزالى، أباحامد محمد بن محمد (ت 505 هـ) (بيروت: دار االمعرفة، د. ط، د. ت) ، 2/ 325.