الصفحة 28 من 33

وبهذا الأسلوب الفريد يشجع القرآن الكريم المجتمع المسلم والأمة المؤمنة على الزواج، ومن الذي لايبحث عن السكون والطمأنينة النفسية، وخاصة في زمنٍ فَقَدَ فيه الناس الطمأنينة النفسية والسكون الروحي، بسبب هيمنة الحضارة المادية على قلوبهم وعقولهم؟ ومن منا لايرغب في المودة والرحمة بينه وبين زوجه، في زمن أصبح التعايش بين الزوجين بالأبدان، والقلوب شتّى؟ ووصل الأمر في كثير من الدول الصناعية بلجوء الناس إلى اقتناء الحيوانات الأليفة، بدلًا عن الزواج وتكوين الأسرة بحثًا عن الألفة والمودة، لسد هذا الفراغ القاتل.

4)اعتبار كل واحد من الزوجين لباسًا للآخر: وهذه وسيلة أخرى من وسائل القرآن الكريم للتشجيع على الزواج، حيث شبَّه كلا الزوجين باللباس، قال تعالى: ژ? ? ? ? ? پ ... پپ پ ? ? ? ? ... الآية ژ ?البقرة: 187? وقد قدم المولى سبحانه الجملة الأولى وهي: (پ ? ?) على الثانية وهي: (? ? ) ، تنبيهًا على ظهور احتياج الرجل للمرأة، وعدم صبره عنها، لأنه هو البادئ بطلب ذلك.

وهذا تشبيه في غاية الجمال، من عدة وجوه:

أ- كما أن اللباس يجب أن يكون متطابقًا مع الجسم ومتناسبًا معه طولًا وقصرًا، سعة وضيقًا، حتى يشعر صاحبه بالراحة والمتعة، كذلك الزوجان يجب أن يكونا متكافئين متوافقين، حتى يتمتعا بحياة زوجية هنيئة وسعيدة، ويشعرا بالراحة الجسمية والنفسية.

ب- كما أن اللباس يستر عورة الإنسان وعيوبه، كذلك الزوجان ينبغي أن يستر كل واحد منهما عيوب الآخر.

ج- كما أن اللباس زينة الإنسان أمام الناس، فكذلك الزوجان يكون كل واحد منهما زينة للآخر.

د- كما أن اللباس جُعل لكل ما يغطِّى من الإنسان عن قبيح، فكذلك الزوجان يصون كل منهما صاحبه من الوقوع في فضيحة الفاحشة، ويصده عن تعاطي قبيح [1] .

ه- كما أن اللباس يقي الإنسان من الحر والبرد، فكذلك الزوجان يقي كل واحد منهما صاحبه حر الحياة وبردها.

و- كما أن اللباس يلاصق جسم الإنسان ويلازمه ويماسه، فكذلك الزوجان يتلاصقان ويتلازمان ويتماسان.

ز- كما أن اللباس يوَلِّدُ عند الإنسان سكون وطمأنينة، فكذلك الزوجان يكون بعضهما لبعض سكنًا وطمأنينة.

ح- كما أن الإنسان يشق عليه أن يستغني عن اللباس طول حياته، فكذلك الرجل والمرأة يشق عليهما الاستغناء عن الآخر طول حياتهما.

ط- كما أن اللباس إذا انخرق يرفَأ وإذا اتّسخ يغسل ولا يرمَى، فكذلك الزوجان إذا أخطأ أحدهما في حق الآخرلاينفصلان، بل يرفَآن الخطأ بالنصيحة والموعظة الحسنة، ويغسلانه بماء المحبة والعفو والتسامح.

ومن الطريف أن مفارقة المرأة الرجل بعوض يسمَّى في الفقه خُلعًا، وهو مأخوذ من خلع الثوب وغيره، لان المرأه جعلت لباسا لزوجها والزوج لباسا لها، فإذا فارقها فقد خلعها منه ونزع اللباس وفارق بدنه بدنها [2] .

5)اعتبار المرأة حرثًا للرجل: يعتبر القرآن الكريم المرأة حرثًا للرجل، ليس انتقاصًا من شأن المرأة، بل تشجيعًا للزوجين للمضي قدمًا نحو الزواج والإنجاب، قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ژ?البقرة: 223?

إنَّ الآية تُشبِّه الرجلَ بفلاح يزرع بذرته في أرض هي رحم زوجته، ففي الآية تشجيع للأزواج وحث لهم بإتيان زوجاتهم بقوله: {فَأْتُوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، وفي الوقت نفسه، تشجيع للزوجات أيضًا بإنجاب الولد، لأن الآية اعتبرتهن حرثًا لأزواجهن، أي مزرعةً ومنبتًا.

فالآية تؤكد على أن القصد من خلق الأزواج، والسكون إليها، وإلقاء المحبة بين الزوجين، ليس مجرد قضاء الشهوة التي يشترك فيها البهائم، بل تكثير النسل وبقاء نوع الإنساني، ومن هذا المنطلق اعتبرت المرأة حرثًا للرجل، وفي تشبيه المرأة بالحرث تشبيه بليغ، كما أن فيه تحذيرمن الزنا وتحفيز للرجل على الزواج من عدة وجوه:

أ- فكما أن المزرعة تزرع فيها البذور والحبوب، كذلك المرأة يزرع فيها الرجل نطفته.

ب- كما أن المزرعة تحتاج إلى عناية من الزارع بعد زرع الحبوب، كذلك المرأة بحاجة إلى عناية الرجل بعد زرع النطفة، وفي هذا تعريض بحرمة الزنا إذ لا يتحمل الزاني أي مسئولية بعد حرثه.

ج- كما أن الزراعة يقصد منها تحصيل الثمر لا مجرد التسلية، كذلك يجب أن يقصد من الزواج والجماع إنجاب الولد وليس مجرد اللذة وقضاء الشهوة.

د- كما أن الإنسان لا يزرع إلا في أرض طيبة وخصبة، كذلك ينبغي للرجل أن لا ينكح إلا امرأة طيبة ولا يزرع نطفته إلا في رحم خصب.

الثاني: إباحة التعدد

في الحقيقة لم يكن الإسلام بدعًا من الأديان والنحل في إباحة تعدد الزوجات، بل كان موجودًا في الأمم القديمة كلها تقريبًا: عند الاثينيين، والصينيين، والهنود، والبابليين والأشوريين، والمصريين، ولم يكن له عند أكثر هذه الأمم حد محدود، وقد سمحت شريعة"ليكي"الصينية بتعدد الزوجات الى مائة وثلاثين امرأة، وكان عند أحد أباطرة الصين نحو من ثلاثين ألف امرأة! [3] .

يقول"ول ديورانت":"ولقد ظن رجال الدين في العصور الوسطى أن تعدد الزوجات للزوج الواحد نظام ابتكره محمد - صلى الله عليه وسلم - ابتكارًا لم يسبق إليه، لكنه في الواقع نظام سابق للإسلام بأعوام طوال" [4] .

واليهودية لا تُحرِّم تعدد الزوجات، وإن كان الفقه اليهودي قد منعه ابتداءً من القرن الحادي عشر في الغرب، ثم امتد المنع إلى كثير من بلاد العالم الأخرى، وإن كان لا يزال هناك بعض اليهود يمارسون هذا الحق الشرعي [5] . وأنبياء التوراة جميعًا -بلا استثناء -كانت لهم زوجات كثيرات، وقد جاء في التوراة أن نبي الله سليمان كان له سبعمائة امرأة من الحرائر وثلاثمائة من الإماء. [6]

وأما في النصرانية فلا يوجد نص صريح يمنع التعدد، وإنما ورد فيه على سبيل الموعظة أن الله خلق لكل رجل زوجته .. وهذا لا يفيد على أبعد الاحتمالات إلا الترغيب بأن يقتصر الرجل في الأحوال العادية على زوجة واحدة. وليس في الأناجيل نص على ذلك، بل في بعض رسائل بولس ما يفيد أن التعدد جائز، فقد قال:"يلزم أن يكون الاسقف زوجا لزوجة واحدة" [7] ففي إلزام الأسقف وحده بذلك دليل على جوازه لغيره. وقد ثبت تاريخيًا أن بين المسيحيين الأقدمين من كانوا يتزوجون أكثر من واحدة، وفي آباء الكنيسة الأقدمين من كان لهم كثير من الزوجات، وقد كان في أقدم عصور المسيحية من إباحة

(1) : المفردات في غريب القرآن، الراغب الإصفهاني، 2/ 330.

(2) : تحرير ألفاظ التنبيه، النووي، أبا زكريا يحيى بن شرف، (ت 676) ، (دمشق: دار القلم، ط/1، 1408 هـ = 1988 م) ، ص 260.

(3) : المرأة بين الفقه والقانون، السباعي، د. مصطفى، (القاهرة: دار السلام، ط/1، 1418 هـ= 1998 م) ص 48؛ وتعدد الزوجات في الإسلام وحكمة تعدد زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، علوان، عبدالله ناصح، (القاهرة: دار السلام، ط 1، د. ت) ، ص 7.

(4) قصة الحضارة، ديورانت، وليم جيمس، 1/ 80.

(5) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المسيري، عبد الوهاب، (القاهرة: دار الشروق، ط 1، 2004 م) ، 5/ 208.

(6) : المرجع السابق، السباعي، د. مصطفى، ص 48.

(7) رسالة بولس الأولى إلي تيموشاوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت