الصفحة 19 من 33

5)لم يفشُ هذا المرض إلا عندما بلغ ظهور الفاحشة في المجتمعات الإباحية إلى المرحلة العلنية (حَتَّى يعْلِنُوا بِهَا) .

الثاني: النهي عن التبني

التبني أوما يعرف في العالم الغربي بـ (Adoption) ، كان سائدًا في المجتمع الجاهلي ومنتشرًا بين العرب حتى بعد بزوغ شمس الإسلام لعدة سنوات، يقال: أن الرجل كان في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان [1] "وكان من أشهر المتبنين في عهد الجاهلية زيد بن حارثة تبناه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعامر بن ربيعة تبناه الخطاب أبوعمر بن الخطاب، وسالم تبناه أبوحذيفة، والمقداد بن عمروتبناه الأسود بن عبد يغوث، فكان كل واحد من هؤلاء الأربعة يدعى ابنًا للذي تبناه" [2] .

ولكن القرآن الكريم أبطل هذه العادة، وحرمه تحريمًا أبديًًا في آية واحدة من سورة الأحزاب إثر غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة، بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) } {الأحزاب: 4} وعالج هذه الظاهرة بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ (5) } {الأحزاب: 5}

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الحكمة من تحريم التبني وما علاقته بحفظ النسل؟

في الحقيقة ليس قصد الشارع من إبطال التبني طرد المتبنى من الأسرة أواضطهاده في المجتمع، بل إن الشارع عندما أبطل التبنى لم يهمل جانب المتبنى، بل جاء ببدائل لحفظه وحمايته، مثل الاستلحاق والإقرار وغيرهما مما أثبته الفقهاء في كتب الفقه، ولكن الشارع بناءًا على القاعدة الأصولية (الشارع متشوف لإثبات النسب) أراد به حفظ النسل والنسب في آن واحد، فالتبني يشوّه العلاقات التى تنشئها آصرة النسب على أساس عقد الزواج بين الرجل والمرأة، حيث أن عقد النكاح في الشريعة الإسلامية، أساس لنشوء القرابة والمصاهرة والرضاع، والنسب يشكل العنصر الأساسي في تماسك الأسرة وترابطها، وبدونه تفقد الأسرة حقيقتها ومحتواها، فالأسرة بجميع أشكالها وأواصرها تنبنى على عقد الزواج، وفي التبني دخول عنصر غريب وشاذّ عن البناء الأسري، مما يكون سببًا في هدم البناءكله، فتنحل روابط

(1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، محمد بن أحمد، ج 7، 14/ 90.

(2) ، التحرير والتنوير، ابن عاشور، محمد الطاهر 21/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت