الصفحة 20 من 33

الشبكة، وتختلط الأنساب، وتنهدم القواعد الضابطة للزواج، كما تضيع مقاصد تشريع التوارث بالتنازع بين العنصر الدخيل وبين العناصر الحقيقية للأسرة، حيث أن نظام التبني في الجاهلية كان لا يمانع في ميراث المتبنى من متبنيه، فجاء الإسلام بتحريم هذا النظام [1] .

وهناك نقطة أخرى وهي: أن الإسلام لما شجع على تكثير النسل، لم يشجعه على حساب ضياع الأنساب، بل شجعه في إطار الأسرة والحياة الزوجية، إذ لا يمكن للنسل البشري أن يدوم ويستمر بصورة متماسكة إلا في هذا الإطار، وإلا هناك طرق كثيرة لتكثير النسل وتفريخ البشر، وقد جربها بعض البلاد-كالصين-كبديل للأسرة التقليدية، ولكن من دون جدوى.

الثالث: النهي عن الأنكحة الجاهلية:

كان النكاح في الجاهلية على غير هدى من الله، فقد انتشرت بين العرب في الجاهلية أنواعًا من الأنكحة الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان، تروى لنا السيدة عَائِشَةُ عن هذه الأنكحة وتقول:"أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: 1 - فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيوْمَ، يخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيتَهُ أَوابْنَتَهُ فَيصْدِقُهَا ثُمَّ ينْكِحُهَا. 2 - وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا:"أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ"، وَيعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يتَبَينَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَينَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ. 3 - وَنِكَاحٌ آخَرُ: يجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيهَا لَيالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيهِمْ، فَلَمْ يسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يمْتَنِعَ حَتَّى يجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ:"قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوابْنُكَ يا فُلَانُ"، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يسْتَطِيعُ أَنْ يمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. 4 - وَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ، فَيدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا- وَهُنَّ الْبَغَايا-كُنَّ ينْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَاياتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ، وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا، جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِي ابْنَهُ، لَا يمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ (بِالْحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيوْمَ" [2] . ولا يعني قول السيدة عائشة (حصر الأنكحة الجاهلية في الأنواع المذكورة، بل كان هناك أنواع أخرى من الأنكحة التي حرمها الإسلام ونهى عنها، كنكاح حليلة الأب، والجمع بين الأختين، والجمع بين أكثر من أربع نسوة، و ... كما ورد عَنْ ابْنِ

(1) : المرجع نفسه، زوزو، فريدة، ص 221 - 222.

(2) صحيح البخاري، البخاري، محمد بن إسماعيل، كتاب النكاح، بَاب من قال لَا نِكَاحَ إلا بِوَلِي، 5/ 1970، حديث رقم 4834.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت