والمنكر، كما قال ابن عباس وابن مسعود، فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر إن لم يكن معنيًا بها ما يتلى فيها؟ قيل: تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لم يطِعْ صلاته لم يزدَدْ من الله إلا بُعْدًا. وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر" [1] ."
قد يقول قائل: عرفنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فما علاقة النهي عن الفحشاء والمنكر بحفظ النسل؟
الجواب: كما مر في المبحث السابق، فإن الفاحشة لها متعة ولذة لفاعلها، ولكن دون أن تترتب عليها مسئوليات والتزامات- بخلاف الزواج -، والناس مجبولون على الهروب من المسئولية والالتزام، فشيوع الفاحشة في المجتمع تؤدى بدورها إلى عزوف الناس عن الزواج وإقبالهم على الفحشاء والمنكرات، فإذا قلّ إقبال الناس على الزواج، وكثر إقبالهم على الفاحشة، يقلُّ التوالد والتناسل تبعًا له، لأن الناس لايرغبون في الإنجاب من السفاح، فيلجأون حينئذ إلى منع الحمل، وإذا حدث حمل، يحاولون التخلص منه بكل الطرق المتاحة، فإذا انعدم الحمل والإنجاب، يسير المجتمع في هذه الحالة نحوالتقلص السكاني وانقراض النسل، ويشهد هذه الظاهرة - كما سبق- معظم البلاد التي تجيز الإباحية وتدعوإليه، وباختصار:
الفحشاء والإباحية?اللذة من دون مسئولية?انعدام الأسرة?عدم الإنجاب?تقليص النسل
فالصلاة كما قال تعالى تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإذا انتهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر، ولم يضع شهوته فيما نهى الله عنه، اتجه تلقائيًا نحوامتثال أمر الله في الزواج الشرعي وتكوين الأسرة، وبذلك يتم الإنجاب وتكثير النسل، وباختصار:
الصلوة?القضاء على الفحشاء والمنكرات?الإقبال على الزواج وتكوين الأسرة?الإنجاب?تكثير النسل
الصدقة مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صحة إيمان مخرجها، وصدق باطنه مع ظاهره، وقد أطلقها القرآن الكريم على الزكاة المفروضة، وقد أطلقها على الصدقة المندوبة، وقد قرن المولى الحكيم بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في آيات كثيرة من القرآن الكريم، إشعارًا منه سبحانه بأن الصلاة والزكاة صنوان مقرونتان متلازمتان، ولا يمكن الفصل بينهما، فإذا كانت الصلاة تصلح العلاقة بين العبد
(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، محمد بن جرير، 8/ 6479.