وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه:"كان أبي يعلمُنا مغازيَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ويعدُّها علينا، ويقول: هذه مآثرُ آبائِكُم فلا تضيِّعوا ذكرَها" [1] .
-في دراسة السيرة العطرة والتي نقلها إلينا الصحابة - رضي الله عنهم - ندرك فضلَ ومكانةَ هذا الجيل الفريد والرعيل الأول، الذي حمل على أعناقه أمانة الدعوة وبايع على الجهاد لنشر الحق وإرساء العدالة، ومن محاسن هذا الجيل أنه نقل سيرة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - للجيل الذي تلاهم.
، وانظر إلى أحاديث جابر بن عبد الله الأنصاري الطوال وهو يروي عن بعض غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل ما رواه عنه في غزوة الأحزاب وغيرها، وحديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - أحد الثلاثةِ الذين خلفوا عن غزوة تبوك، وهذا الحديث حافلٌ بالدروسِ والعبر، حتى إن أول من جمع المغازي كانوا أبناء الصحابة من أمثال عروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان.
-معرفة عظمة هذا الدين وقوته العجيبة؛ وتأثيره الفعال حيث جعل من رعاة الغنم قادةً وساسةً للشعوب والأمم، وحوَّل قبائل العَرَبَ من قبائل متناحرة إلى قوةٍ عظمى أطاحت بدولتي فارس والروم، ثم ساهموا في بناءِ حضارةٍ وارفةِ الظلالِ يانعةَ الثمارِ، وتظهر لنا هذه العظمة جليةً إن علمنا أن هذا البناء المحكم قد تم تشييده في فترة وجيزةٍ [2] ، فمن خلال السيرة العطرة نتعرف على جيل الصحابة
(1) - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 195
(2) - ومن مواقف الحب الصادق ما ذكره ابْنُ إسْحَاقَ قال:"وَأَمّا زَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ إلَى التّنْعِيمِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ أَنْشُدُكَ اللّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِك نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنّك فِي أَهْلِك؟ قَالَ وَاَللّهِ مَا أُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْت مِنْ النّاسِ أَحَدًا يُحِبّ أَحَدًا كَحُبّ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا؛ ثُمّ قَتَلوه يَرْحَمُهُ اللّهُ السيرة النبوية لابن هشام 2/ 172، وصدق من قال:"
ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جُدودٌ خالدونا
وسطّرنا صحائفَ من ضياءٍ فما نسيَ الزمانُ ولا نسينا
وما فتئ الزمانُ يدورُ حتى مضى بالمجدِ قومٌ آخرونَ
وأصبحَ لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمتَهُ سنينا
وآلمني وآلَمَ كلّ حُرٍّ سؤالُ الدهرِ أين المسلمونَ!
ترى هل يرجع الماضي فإني أذوب لذلك الماضي حنينا؟
بنينا حقبةً في الأرض ملكًا ... يُدعِّمه شبابٌ طامحونَ
شبابٌ ذلّلوا سبلَ المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا
تعهَّدهم فأنبتهم نباتًا كريمًا طابَ في الدنيا غصونا
همُ وردُوا الحياضَ مباركاتٍ فسالتْ عندهم ماءً معينا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً يدكُّونَ المعاقلَ والحصون
وإن جنَّ المساءُ فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدين
شباب لم تحطّمه الليالي ولم يُسلِم إلى الخصمِ العرين
وما عرفوا الأغاني مائعاتٍ ولكن العلا صيغتْ لحون
وقد دانوا بأعظُمهم نضالًا وعلمًا لا بأجرئهم عيونا
فيتّحدون أخلاقًا عِذابًا ويأتلفون مجتمعًا رزينا
فما عرف الخلاعةَ في بناتٍ ولا عرف التخنّث في بنينا
كذلك أخرج الإسلام قومي شبابًا مخلصًا حرًّا أمينا
وعلّمه الكرامةَ كيف تُبنى فيأبى أن يُقيَّد أو يهونا
دعوني من أمانٍ كاذباتٍ فلم أجد المنى إلا ظنونا
وهاتوا لي من الإيمانِ نورًا وقوّوا بين جنبيَّ اليقينا
أمدُّ يدي فأنتزع الرواسي وأبني المجد مؤتلفًا مكينا.
الأبيات للشاعر هاشم الرفاعي رحمه الله.