الصفحة 32 من 99

وقد ذم الله سبحانه وتعالى الذين يصرمون [1]

ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة ن [2]

فيستنتج من هذا كله أنهم كانوا يخرجون حق غير الزكاة وهذا الحق يرجع لضمير صاحب الزرع وحاجة المساكين، وان في إخراج هذا الحق هو تحقيق لمصلحة المساكين وتسديد حاجتهم هذا من جهة ومن جهة أخرى تحقيق لمصلحة المنفق، لأن بإنفاقه سيبارك الله - عز وجل - في ماله وازدياده أضعاف مضاعفة وهذا يصب في تحقيق الضمان الاقتصادي للفقير والغني

وفوق هذه الحقوق المفروضة وتلك القوانين الملزمة، عمل الإسلام على تكوين النفس الخيرة، المعطية الباذلة، نفس الإنسان الذي يعطي أكثر مما يطلب منه وينفق أكثر مما يجب عليه، بل يعطي بغير طلب ولا سؤال وينفق في السراء والضراء بالليل والنهار سرًا وعلانية ذلك الذي يحب للناس ما يحب لنفسه بل يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ذلك الذي يعد المال وسيلة لا غاية، وسيلة للإنفاق والبِر بالناس، فيفيض قلبه بالخير فيضًا ويبسط يده بالعطاء بسطًا ابتغاء رضاء الله ومثوبته لا حبًا في جاه وطلبًا لسمعة أو شهرة ولا خشية من عقوبة سلطان، إن الإسلام باعتباره دينًا لابد أن يعنى بهذا الجانب الخلقي الرفيع ولا يكتفي بالحقوق التي تنظمها القوانين وتنفذها الحكومات؛ لأن هذا الجانب في نظره ليس مجرد وسيلة لتحقيق التكافل بين الناس، بل هو أيضًا غاية من غاياته في تربية الإنسان الصالح، الجدير برضاء الله - عز وجل - ومرافقة النبيين في جنته، وإن محى الفقر من الوجود، وتحقيق الضمان الاقتصادي للمجتمع [3]

ومن هنا جاءت الآيات القرآنية العظيمة، والأحاديث النبوية الكريمة في صور متعددة فهذه الصور هي التبشير والإنذار، والترغيب والترهيب، فهي داعية الى البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله - عز وجل -، ومحذرة من البخل والشح، وهذه الصور هي

(1) الانصرام: الانقطاع - مجمع البحرين 2/ 607.

(2) تفسير القرآن العظيم 2/ 189.

(3) ينظر مشكلة الفقر/ 129

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت