وسُئِل الإمام أبا الفتح سليم بن أيوب الرازي الفقيه بثغر صور عمن له مال وافر لا يعرف كميته، كيف يخرج الزكاة؟ فتوقف ساعة ثم قال
يخرجها على ظنه ثم لا يرد سائلًا يقصده بوجه
وخرج عبدالله بن المبارك رحمه الله تعالى الى الحج، فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لقته ثم أسرعت به الى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل، فأمر أبن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله
كم معك من النفقة، قال
ألف دينار، فقال
عد منها عشرين دينارًا تكفينا الى مرو وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام ثم رجع
وكان رحمه الله تعالى يربو كسبه على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم، وربما أنفق من رأس ماله
ولابد من بيان المعاني الخاصة بالإنفاق ومراتبها
قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى
حقيقة الجواد أن لا يصعب عليه البذل، وأول مراتب الكرم السخاء، ثم الجود، ثم الإيثار، فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو السخي، ومن بذل الأكثر وأبقى شيئًا فهو الجواد، ومن قاس الضر وآثر غيره فهو المؤثر
فيستنتج من هذا كله أن البذل والسخاء في سبيل الله - عز وجل - لهو ضمان وكفالة للفقراء والمحتاجين وفيه دليل واضح على أن الإنفاق مصب لتحقيق الضمان الاقتصادي،
(1) ذيل تاريخ بغداد للإمام أبن النجار البغدادي (ت 643 هـ) رحمه الله تعالى دراسة وتحقيق مصطفى ... عبدالقادر عطا- دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1417 هـ 2/ 146.
(2) ينظر البداية والنهاية 10/ 191.
(3) المرجع نفسه 10/ 191.
(4) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي (ت 942 هـ) رحمه الله تعالى - تحقيق عادل أحمد عبدالموجود - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1414 هـ 1/ 444.