ولقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى أيضًا بأن عدد كبير من الصحابة قد أوقفوا لمرضاة الله - عز وجل - فوقف أنس دارًا وتصدق الزبير بدوره وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة وأوقف عثمان بئر رومة، وإن الأنصار وقفوا أرضهم لبناء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة
قال جابر - رضي الله عنه -
لم يكن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا مقدرة إلا وقف
وفي رواية أخرى عن جابر - رضي الله عنه - قوله
إنه لم يبق أهل بيت في الصحابة ممن يملكون عقارًا أو شجرًا إلا وقفوا شيئًا مما يملكون
فيستنتج من هذا كله أن الوقف حقيقية شرعية، وتدر النفع العام على المجتمع وفي هذا تحقيق للضمان الاقتصادي للمجتمع
إن الوقف مما أختص به المسلمون ولم تعرفه الجاهلية، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام
فيستنتج من كلام الشافعي أن الوقف هو نظام لم تعرفه الجاهلية قديمًا وإنما هو نظام إسلامي دعا وندب إليه الإسلام؛ لأن فيه معنى التكافل والتضامن الاجتماعي لجميع طبقات المجتمع فهو تحقيق للضمان الاقتصادي
وقد أشار العلماء رحمهم الله تعالى إن المال الذي يجوز وقفه هو كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلًا يبقى بقاءً متصلًا كالعقار والسلاح والأثاث والدور والأرضين، وإذا كان الموقوف له فالحاكم ينوب فيه ويصرفه الى مصارفه؛ لأنه مال الله - عز وجل -، فكان النظر فيه الى حاكم المسلمين كالوقف على المساكين وللحاكم أن يستنيب فيه مَن شاء ممن يحسن الإشراف عليه والتصرف فيه
(1) ينظر صحيح البخاري 3/ 1021، باب إذا أوقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل ولاء المسلمين وينظر فتح الباري 5/ 407.
(2) كتاب الأم 4/ 54.
(3) المغني 6/ 185.
(4) المبدع 5/ 312.
(5) ينظر المجموع 15/ 320، وينظر المغني 6/ 237 - 238.