الفصل الأول
النسيان وبيان كونه عذرًا
تعريف النسيان: أورد العلماء للنسيان عدة تعريفات منها:
1 -أنه (جهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة) .
واحترز هنا بقوله: (مع عدم علمه بأمور كثيرة) عن النائم والمغمى عليه، فإنهما خرجا بالنوم والإغماء من أن يكونا عالمين بأشياء كانا يعلمانها قبل النوم والإغماء، وبقوله: (لا بآفة) عن الجنون، فإنه جهل بما كان يعلمه الإنسان قبله مع كونه ذاكرًا لأمور كثيرة لكنه بآفة.
2 -وقيل: هو آفة تعترض للمتخيلة مانعة من انطباع ما يرد من الذكر فيها.
3 -وقيل: هو أمر بديهي لا يحتاج إلى التعريف، إذ كل عاقل يعقل النسيان من نفسه كما يعلم الجوع والعطش [1] .
4 -كما عرفه بعضهم بأنه: عدم استحضار الشيء وقت الحاجة، أو عدم تذكر الشيء وقت حاجته إليه [2] أي إلى الشيء.
يرى أهل اللغة والفقهاء والأصوليون أنه لا فرق بينهما، وذهب الحكماء على الفرق فقالوا: إن السهو زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة، والنسيان زوالهما عنهما معًا، فيحتاج في حصولها إلى سبب جديد.
وقيل: النسيان عدم ذكر ما كان مذكورًا، والسهو غفلة عما كان مذكورًا وما لم يكن مذكورًا، فالنسيان أخص منه مطلقًا، كذا في «شرح التحرير» لابن أمير الحاج.
والمعتمد أنهما مترادفان، أي: متساويان مفهومًا وماصدقًا [3] .
يتضح الفرق بينه وبينهم من خلال الآتي: فمثال الذهول: أن يحلف ألا يفعل شيئًا هو معتاد لفعله، فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله، والفرق بين هذا وبين الناسي، أن الناسي يكون قد غاب عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرًا له عامدًا لفعله، ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه، وأما الغافل
(1) كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 387.
(2) غمز عيون البصائر للحموي ج 1 ص 247، ج 3 ص 289.
(3) المرجع السابق والصفحة.