فهرس الكتاب
الفصل الثاني
الجهل وبيان كونه عذرًا
يعد الحنفية الجهل من العوارض المكتسبة، أما كونه من العوارض وإن كان أمرًا أصليًّا؛ فلأنه أمر زائد على حقيقة الإنسان وثابت في حال دون حال كالصغر وأما كونه مكتسبًا، فلأن إزالته تكون باكتساب العلم في قدرة العبد، فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار إبقائه، فكان مكتسبا من هذا الوجه عندهم [1] .
تعريف الجهل: قيل في تعريفه أولًا: إنه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، لكن اعترض على هذا التعريف: بأنه يترتب عليه أن يكون المعدوم شيئًا؛ لأن الجهل يتحقق بالمعدوم كما يتحقق بالموجود.
أو يقال: إن المعدوم المجهول غير داخل في الحد، وهذا الاعتراض يمكن الرد عليه بوجهين:
أولهما: أن هذا الاعتراض إنما يتم على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن المعدوم ليس بشيء، أما على مذهب المعتزلة فلا.
وثانيهما: أنه يحتمل أن يكون القائل بهذا التعريف معتزلي وحينئذ لا يتوجه الاعتراض.
وعرف ثانيًا بأنه: عدم العلم عما من شأنه العلم، أي من شأنه أن يعلم، فعلى هذا لا يقال للحجر أو الحائط جاهل؛ لأن العلم ليس شأنهما، فيكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، وإن لم يعتبر قيدا عما من شأنه العلم يكون الحجر والحائط جاهلين، فالتقابل بينهما تقابل النفي والإثبات.
كما عرف أيضًا: بأنه صفة تضاد العلم في محل قابل له، فهو وجودي وليس عدمي ويكون التقابل بينهما تقابل التضاد، وهو بهذا المعنى نظري، فليس بعيب، ويمكن إزالته بالتعلم، وإنما العيب في التقصير في إزالته.
قال المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
وقال الشاعر:
فاجهد بنفسك واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
(1) كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 457.