فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 65

فثبت أن الناسي قد لا يكون معذورًا، وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء [1] .

وهكذا يمكن القول: إن الأفعال الواقعة نسيانًا لغو في الآثام، وليست لغوًا في الأحكام، أي: أن الإثم مرفوع بلا خلاف. وصارت قاعدة الفقه: إن النسيان مسقط للإثم مطلقًا، سواء وقع النسيان في ترك مأمور أو فعل منهي عنه، أما في الحكم، فقد يقع في حقوق الله أو حقوق العباد، وهذا الجانب محل خلاف.

يقول العلامة ابن العربي المالكي: الصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفوضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم يختلف فيه كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا وما كان مثله مما يقع خطأ أو نسيانًا [2] .

وقد وضع العلامة السيوطي ضابطًا لهذه الوقائع، وجعله في أربعة أقسام فقال: أما الحكم: فإن وقع النسيان في ترك مأمور لم يسقط بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الائتمار، أو وقع في فعل منهي عنه ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أو وقع النسيان فيما فيه إتلاف لم سقط الضمان، فإن كان يوجب عقوبة كان شبهة في إسقاطها فهذه أربعة أقسام [3] .

وسنفصل القول - بعون من الله- في هذه الأقسام بالقدر المناسب، مراعاة لهذا التقسيم فنقول وبالله التوفيق:

سبق القول بأن ترك المأمور به نسيانًا مسقط للإثم بالنسبة للحكم الأخروي، وأما بالنسبة للحكم الدنيوي فهو ما سيأتي:

أما

القسم الأول: وهو ترك المأمور به أو الواجب نسيانًا فإنه يحدث في العبادات دائمًا، أي: في حقوق الله تعالى لا في حقوق العباد.

وقد ذهب أهل العلم إلى أن الأصل هو أن الواجب أو المأمور به لا يسقط بالنسيان بل يجب تدراكه، فلا يحصل الثواب المترتب لعدم الائتمار، أما إذا تداركه فإن هذا الثواب المترتب على الفعل المأمور به يحصل بهذا التدارك حتى قالوا: إن النسيان فيه غير عفو، وقالوا: لا يفترق العمد من النسيان في باب إسقاط المأمورات بخلاف تفويت المنهيات فيهما [4] .

فالنسيان عذر في المنهيات دون المأمورات عندهم، وقالوا: إن مأخذ الخلاف فيها يرجع إلى أن هذه الفروع هل هي من قبيل المأمورات التي هي شرط كالطهارة عن الحدث فلا يكون النسيان عذرًا في تركها

(1) انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 389، والأشباه والنظائر لابن نجيم ج 3 ص 290.

(2) أحكام القرآن ج 1 ص 264، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 432.

(3) الأشباه والنظائر ص 207.

(4) قواعد المقري ج 2 ص 566.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت