الحقوق كسائر الأعذار لكنه لا يمنع وجوب الحقوق كما قلنا فإنه لا يخل بالأهلية، ولذا كان إيجاب الحقوق على الناسي لا يؤدي إلى إيقاعه في الحرج ليمتنع الوجوب، إذا الإنسان لا ينسى عبادات متوالية تدخل في حد التكرار، فصار غالبًا في حكم النوم، ولذا قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين نسيان الصلاة والنوم عنها في قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها .. .» الحديث.
وفي حقوق العباد لا يجعل النسيان عذرًا، ولذا لو أتلف إنسان مال إنسان ناسيًا يجب عليه ضمانه؛ لأن حقوق العباد محترمة لحاجتهم إليها لا للابتلاء؛ لأنه ليس للعبد على العبد حق الابتلاء، أما حقوق الله تعالى فهي ابتلاء؛ لأنه جل جلاله غني عن العالمين، وله أن يبتلي عباده بما شاء، فكان إيجاب الحقوق منه على العباد ابتلاء لهم مع غناه عن أفعالهم وأقوالهم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) [1] ولذا تلزمه الغرامات وأروش الجنايات ولا يكون النسيان فيها عذرًا [2] والله أعلم.
يقول العلامة ابن اللحام: ويمكن أن يحمل قولهم إنه مكلف، على أن الخطاب توجه إليه وتناوله، وتأخر الفعل إلى حال ذكره، وامتنع تأثيمه لعدم ترك قصده لهذا [3] .
وهو نفس المعنى الذي قصده المالكية في هذا الخصوص، يقول العلامة المقري: لا يفترق العمد من النسيان في باب إسقاط المأمورات ولا العذر من الاختيار، بخلاف تفويت المنهيات فيهما، هذا هو الأصل [4] .
ما معنى الدعاء بعدم المؤاخذة في قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا ... ) مع الاتفاق على أن النسيان مسقط للإثم مطلقًا؟
وأحسن الوجوه في الإجابة على ذلك كما يقول بعض الحنفية: هو أن النسيان على ضربين: ضرب أصلى: ويراد به ما يقع فيه الإنسان من غير أن يكون معه شيء من أسباب التذكير، وهذا القسم يصلح عذرًا لغلبة وجوده.
وضرب يقع المرء فيه بالتقصير، وذلك إذا لم يباشر سبب التذكير مع قدرته عليه، وهذا الضرب يصلح للعتاب، أي: لا يصلح عذرًا للتقصير ولعدم غلبة وجوده، فمن رأى في ثوبه دمًّا وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه، عد مقصرًا، إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالته، وكنسيان المرء للقرآن بعد ما حفظه مع قدرته على تذكاره بالتكرار، ولكنه تغافل عن تعهده حتى نسيه، فإنه يكون ملومًا يستحق الوعيد، ومنه قول أبي يوسف (رحمه الله) في مسافر نسي الماء في رحله وتيمم وصلى: أنه يعيد؛ لأن هذا نسيان صدر عن تقصير؛ لأن رحل المسافر معدن الماء عادة بمنزلة قرية عامرة، فكان مقصرًا بترك الطلب فلا يعذر بهذا النسيان.
(1) سورة العنكبوت الآية 6.
(2) انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 388.
(3) القواعد والفوائد الأصولية ص 31.
(4) قواعد المقري ج 2 ص 566.