فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 65

الخطأ وأخويه غير مرفوع بل واقع والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب فصار ذكر الخطأ والنسيان وما اشتمل عليه مجازًا عن حكمه، وهو نوعان:

أخروي ودنيوي، والمراد من الأخروي هنا: الإثم، والمراد من الدنيوي هنا هو: الفساد، والحكمان مختلفان، إذ الأول مبني على صحة العزيمة وفسادها، والثاني مبني على وجود الأركان والشرائط وعدمها، فيوجد أحدهما بدون الآخر، كمن صلى رياءً مراعيًا الشرائط والأركان، ومن صلى متوضئًا بماء نجس غير عالم به.

ولما اختلف النوعان صار لفظ الحكم مشتركًا فلا يعم، أما عند الحنفية فلأن المشترك لا عموم له، وأما عند الشافعي (رحمه الله) فلا [1] .

هل يدخل فعل الناسي تحت التكليف؟ وبمعنى آخر: هل الناسي مكلف حال نسيانه أو غير مكلف؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

أولهما: يقول: إنه يشترط في المحكوم عليه المكلف العقل وفهم الخطاب؛ لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، ولأن المكلف به مطلوب حصوله من المكلف على وجه الطاعة، والإتيان بالفعل المعين على هذا الوجه يتوقف على العلم بالفعل المأمور به؛ لأن الامتثال عبارة عن إيقاع المأمور به على وجه الطاعة، ويلزم من ذلك علم المأمور يتوجه الأمر نحوه حتى يصح القصد إليه دون غيره، وموقع الشيء مع السهو أو النسيان وعدم القصد لا يمكن أن يكون في سهو ونسيانه عالمًا وقاصدًا إليه بعينه، فضلًا عن قصد التقرب به.

وتأسيسًا على ذلك كل فعل الناسي والساهي والغافل لا يدخل تحت التكليف، وهذا القول ذهب إليه الشافعية، وهو أحد قولين عند الحنابلة فلا تكليف عندهم على الناسي حال نسيانه [2] .

ويحمل هذا القول على أنه لا إثم عليه في تلك الحال في فعل أو ترك، وأن الخطاب لم يتوجه إليه، وما ثبت له من الأحكام المعلقة به فبديل خارج [3] .

وذهب أصحاب أبي حنيفة (رحمه الله) إلى أن على الناسي تكليفًا في أفعاله حال نسيانه، واحتجوا في ذلك باستقرار العبادات في ذمته حال نسيانه، وذلك لأن النسيان لا ينافي أهلية الوجوب، ولذا يحتمل أن يجعل عذرًا في حق الله تعالى؛ لأنه يعدم القصد؛ لأن القصد إلى فعله بعينه لا يتصور قبل العلم به، فصار في حكم العجز، فلا جرم يمكن أن يجعل عذرًا في بعض حقوق الله تعالى، ولكنه يمنع وجوب أداء

(1) انظر: غمز عيون الأبصار ج 3 ص 290.

(2) انظر: نهاية السول ج 1 ص 171، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 95، وشرح الكوكب المنير ج 1 ص 499، 511، والقواعد والفوائد الأصولية ص 30.

(3) المرجع السابق ص 30، 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت