المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
الجديد:[في الانكليزية] The new verse or metre (in prosody) addel by the Persians [ في الفرنسية]Le nouveau vers( en prosodie )) vers ajoute par les Perses (هو عند أهل العروض اسم لبحر جديد ووزنه: فاعلاتن فاعلاتن مستفعلن مرتان كما يستعمل مخبونا على الشكل التالي:فعلاتن فعلاتن مفاعلن فعلاتن فعلاتن مفاعلن وهذا البحر من اختراع الفرس لذلك سمّي بالجديد. كذا في عروض سيفي.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
جُدَيْدٌ:
بلفظ تصغير جدّ: خطّة بني جديد بالبصرة في جانب ربيعة، وبنو جديد حيّ من اليمن. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الجديدُ:
ضدّ العتيق: اسم نهر أحدثه مروان بن أبي حفصة الشاعر باليمامة، وكان قد سمي قديما ربى. وجديد أيضا: جبل من جبال أجإ. وجديد أيضا: جبل في ديار الأزد. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الجَدِيدَةُ:
بلفظ ضدّ العتيقة: اسم كل واحدة من قريتين بمصر إحداهما في كورة الشرقية والأخرى في كورة المرتاحية. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الجُدَيْدَةُ:
بلفظ تصغير التي قبلها: اسم لقلعة في كورة بين النهرين التي بين نصيبين والموصل، وأكثر ما تكون لصاحب الموصل غالبا، وهي قديمة حصينة جدّا، وأعمالها متصلة بأعمال حصن كيفا، ولها قرّى ومزارع، وأكثر زروعهم العذي. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
القَنْطَرَة الجدِيدة:
هي اليوم في غاية العتق وقد جددت عدة نوب إلا أنها بهذا تعرف على الصراة على مرور الأيام، وعلى الصراة اليوم قنطرتان: سفلى يدخل منها إلى باب البصرة وأخرى فوق ذلك في الخراب وهي هذه المعروفة بالجديدة، وأول من بناها المنصور وكانت تلي دور الصحابة وطاق الحرّاني. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
مِنْ جديدالجذر: م ن
مثال: ازْرَع القطنَ مِنْ جديدٍالرأي: مرفوضةالسبب: لأن هذا الأسلوب لم يرد عن العرب. الصواب والرتبة: -ازرع القطنَ مِنْ جديد [صحيحة] التعليق: يمكن تصحيح المثال المرفوض على أن «مِنْ» للابتداء في الزمان، أو بمعنى «في» وحذف الموصوف، أي في زمن جديد، وجاءت «من» لابتداء الزمان في قوله تعالى: {{مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}} التوبة/108، وجاءت بمعنى «في» في قوله تعالى: {{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ}} فاطر/40. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
نَعْل جديدالجذر: ن ع ل
مثال: هذا نَعْل جَدِيدالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لمعاملة كلمة «نَعْل» معاملة المذكَّر، وهي مؤنَّثَة. الصواب والرتبة: -هذه نَعْل جَدِيدة [فصيحة]-هذا نَعْل جَدِيد [صحيحة] التعليق: ذكرت المعاجم القديمة والحديثة كالقاموس والمصباح واللسان والتاج أن كلمة «نَعْل» مؤنثة، فالجملة الأولى فصيحة لاشَكَّ في ذلك. ويمكن تصحيح الاستعمال المرفوض، الذي عوملت فيه الكلمة معاملة المذكر اعتمادًا على أنَّ الكلمة من المؤنث المجازي الخالي من علامة التأنيث، وهو نوع من المؤنث ذهب كثير من القدماء إلى جواز تذكيره، مثل المبرِّد وابن السكيت والأزهري، وقد حكي عن المبرِّد أنه كان يقول: «ما لم يكن فيه علامة تأنيث وكان غير حقيقي التأنيث فلك تذكيره»، وفي خاتمة المصباح: «والعرب تجترئ على تذكير المؤنث إذا لم يكن فيه علامة تأنيث». |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تهنئة أهل الإسلام، بتجديد بيت الله الحرام
للشيخ: إبراهيم بن محمد بن عيسى الميموني، الشافعي، المصري. المتوفى: سنة 1079، تسع وسبعين وألف. مجلد. أوله: (الحمد لله، الذي حكم بالتغير على كل مخلوق 000 الخ). ذكر أنه: ألفها لما عمد السيل في شعبان، سنة 1039، تسع وثلاثين وألف، عقود البيت الحرام ففسخها. ثم جددها السلطان، فانزعج الناس بتلك المصيبة. فانضم إليه ما روى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قال الله سبحانه وتعالى: إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره.). فزاد قلقهم واضطرابهم، فألفه بياناً لما خفي عليهم، ونصحاً لهم. ورتب على ثلاثة مباحث: الأول: في الجواب عن أسئلة، وهي: هل حفظ محل البيت من دخول الطوفان؟. الثاني: في أن محل البيت، هل خلق قبل السماء والأرض أولا؟. الثالث: في فضل الحجر الأسود. |
المخصص
|
أَبُو حَاتِم، جَدِيد بَيِّن الجِدَّة الْجمع جُدُدٌ، ابْن السّكيت، وَلَا يُقَال جُدَدٌ إِنَّمَا الجُدَد الطَّرائِق، أَبُو حَاتِم، وقومٌ يَكْرهون الضمتين فِي مثل هَذَا فيقُولون جُدَد، الْأَصْمَعِي، جَدَّدته - أعَدْته جَدِيداً والجَديد من الْأَشْيَاء - مَا لم يَكْن بعدُ فوقَع حَدِيثا يقُولون مَوْتٌ جَدِيدٌ وَالِاسْم من كل ذَلِك الجِدَّة فَأما قولهمِ مِلْحَفة جَدِيدة فَسَيَأْتِي تَحْقِيقه فِي فصل التَّذْكِير والتَّأْنِيث من هَذَا الْكتاب وَقد تقدم مِنْهُ شَيْء فِي بَاب المَلاَحِف، الْأَصْمَعِي، بَلِيَ ثوبُه وأجَدَّ ثوبا - أَي تَبَدَّل بِهِ جَديدا، أَبُو زيد، القَشِيب، الجَدِيد وَقد قَشُبَ قَشَابة وثِيابٌ قُشُبٌ ومَقَشَّبَة، صَاحب الْعين، الحَبِير - الجَدِيد، وَحكى ابنُ دُرَيْد عَن أبي زيْد أَن المِعْوز الجَدِيد وَلَيْسَ بِمَعْرُوف إِلَّا فِي الخَلَق.
|
|
النحوي: أحمد بن أحمد بن علي بن زكريا الشهاب بن الشيخ شهاب الدين الجديدي البدراني الشافعي.
ولد: سنة (819 هـ) تسع عشرة وثمانمائة. من مشايخه: أخذ الفقه عن الكازروني، والعربية عن الشهاب البجائي وغيرهما. كلام العلماء فيه: الضوء اللامع: "كان فاضلًا، مشاركًا، ذكيًا قادرًا على التعبير عن مراده، متين الكتابه، متوددًا، كريمًا، كثير السكوت والاحتمال، قليل التشكي، وهو ممن كتب في كائنة ابن الفارض (¬1) " أ. هـ. ¬__________ * الضوء اللامع (1/ 224). وقال: "أفاده لي ولده الهمامي ثم عبد الرزاق بزيادات" أ. هـ. * الضوء اللامع (1/ 217)، وجيز الكلام (3/ 943)، الذرات (9/ 520)، معجم المؤلفين (1/ 96). (¬1) ابن الفارض: هو عمر بن علي بن مُرش الحموى ثم المصري، صاحب الاتحاد، له قصيدة فيها صريح الإلحاد والحلول والزندقة، توفي سنة (632 هـ). انظر سير أعلام النبلاء (22/ 368)، ووفيات الأعيان (3/ 454). وفاته: سنة (888 هـ) ثمان وثمانين وثمانمائة. من مصنفاته: عمل على الآجرومية شرحًا مطولًا، ومختصرًا لم يكملا. وكذا شرع في مقدمه الحناوي في النحو، وغيرهما. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العلمنة البنيوية الكامنة
«العلمنة البنيوية الكامنة» مصطلح قمنا بسكه لوصف أهم أشكال العلمنة وأكثرها ظهوراً وشيوعاً. وقد يكون من المفيد أن نبدأ بأن نُذكِّر أنفسنا بحقيقة بديهية وهي أن كل الأشياء المحيطة بنا، المهم منها والتافه، تُجسِّد نموذجاً حضارياً متكاملاً يحوي داخله إجابة عن الأسئلة الكلية النهائية. فإن كانت هذه الأشياء تُجسِّد الرؤية العلمانية الشاملة، فإنها ستقوم بإعادة صياغة وجدان وأحلام ورغبات الناس (حياتهم الخاصة) وتعلمنهم بشكل شامل، دون أن يشعروا بذلك، من خلال عمليات في غاية التركيب والكمون. وفي دراستنا للعلمانية عادةً ما نركز على التعريفات والمصطلحات المعجمية وعلى المخططات الثقافية والممارسات الواضحة وننسى أن العلمنة تتم من خلال منتجات حضارية يومية وأفكار شائعة وتحولات اجتماعية تبدو كلها بريئة أو لا علاقة لها بالعلمانية أو الإيمانية، ولكنها، في واقع الأمر، تخلق جواً خصباً مواتياً لانتشار الرؤية العلمانية الشاملة للكون، وتصوغ سلوك من يتبناها وتوجِّهه وجهة علمانية ولذا فهي «علمنة بنيوية وكامنة» . وقد وصفناها بأنها «بنيوية» لأن سمات المنتج الحضاري أو الأفكار أو التحولات التي تقوم بعملية العلمنة هي جزء عضوي من بنية هذا المنتج وهذه الأفكار وهذه التحولات لا تضاف إليه، ولا يمكن استخدام هذا المنتج أو تبنِّي هذه الأفكار أو خوض هذه التحولات دون أن يجد الإنسان نفسه متوجهاً توجُّهاً علمانياً شاملاً. والصفات البنيوية عادة ما تكون كامنة، غير ظاهرة أو واضحة، وهي من الكمون والتخفي لدرجة أن معظم من يتداولون المنتجات الحضارية ويستبطنون الأفكار البريئة ويعيشون في ظلال التحولات الانقلابية التي تؤدي إلى توليد الرؤية العلمانية غير مدركين لأثرها. بل إن كثيرين ممن يساهمون في صنع هذه المنتجات وصياغة هذه الأفكار وإحداث هذه الانقلابات قد يفعلون ذلك وهم غير مدركين لتضميناتها الفلسفية ودورها القوي في صياغة الإدراك والسلوك. ولذا يمكن أن يكون هناك مجتمع يتبنى بشكل واضح ظاهر أيديولوجية دينية، أو رؤية علمانية جزئية، ولكن عمليات العلمنة الشاملة البنيوية الكامنة من القوة بحيث إنها توجِّه المجتمع وجهة مغايرة تماماً لا يشعر بها أعضاء المجتمع أنفسهم. ولنحاول أن نضرب بعض الأمثلة: 1 ـ التحولات الاجتماعية: من المعروف أن الاتحاد السوفيتي كان دولة تؤمن بعقيدة علمانية شاملة محددة واضحة ذات طابع إلحادي مادي هجومي. ويرى البعض أن هذه الدعاية الإلحادية في الاتحاد السوفيتي هي التي تسببت في هيمنة العلمانية الشاملة. ولكن الدراسة المتعمقة تُبيِّن أن عمليات العلمنة تمت أساساً في واقع الأمر من خلال عمليات التصنيع والتمدن «إربانيزيشن urbanization» ، أي «انتشار نمط الحياة في المدن» ، مثل تركيز البشر في رقعة محدودة، وظهور أشكال جديدة من التضامن غير الأشكال القبلية أو القروية أو الأسرية، وتَسارُع إيقاع الحياة، وانتشار المصنع (والسوق) كوحدات أساسية ومركزية، وهكذا فقد خلقت هذه التطورات البنيوية استعداداً ذهنياً ونفسياً لدى المواطن السوفيتي للتعامل مع الواقع بشكل هندسي كمي، وخلقت التربة الخصبة التي ينمو فيها الإيمان بأن الواقع إن هو إلا مادة نسبية تُوظَّف لتعظيم اللذة وزيادة المنفعة المادية، وبأن القيم الأخلاقية نسبية، وبأن البقاء للأصلح، أي أن بنية المجتمع نفسها تُولِّد رؤية معرفية أخلاقية علمانية بغض النظر عن نطاق الدعاية الإلحادية الصريحة. وقد تمت علمنة المجتمع السوفيتي من خلال هذه العمليات التي تبدو بريئة تماماً. ويمكننا الآن أن نقارن بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. فلو كانت الدعاية الإلحادية وإشاعة الأفكار العلمانية الواضحة هي سبب علمنة الاتحاد السوفيتي لكانت معدلات العلمنة في الاتحاد السوفيتي تفوق المعدلات السائدة في الولايات المتحدة كثيراً. فالولايات المتحدة تسمح بحرية العقيدة وبالتبشير وبالدعاية الدينية، وعدد الكنائس في الولايات المتحدة كبير جداً. وحتى عهد قريب كان من المستحيل على أحد أعضاء النخبة الحاكمة أن يُجاهر بإلحاده ويحتفظ بمنصبه. ولا يزال هذا الوضع قائماً في كثير من الولايات، ولا يزال كثير من الساسة يحرصون على حضور الصلوات يوم الأحد، بل إن الدولار الأمريكي متوج بعبارة "نحن نثق بالإله". رغم كل هذا سنكتشف أن الولايات المتحدة هي أكثر البلاد علمنة بلا منازع. وهذا يعود إلى مركب من الأسباب من أهمها التغيرات البنيوية الضخمة (التي ليس لها نظير في أي مجتمع) التي أدَّت إلى تزايد التصنيع والتمدن وتَسارُع إيقاع الحياة بمعدلات تفوق المعدلات السائدة في الاتحاد السوفيتي. ويمكن القول بأن ظهور الدولة المركزية من أهم أشكال العلمنة البنيوية الكامنة. فالدولة المركزية، نظراً لطبيعتها وبنيتها، لا يمكنها أن تتعامل مع الجماعات الصغيرة أو الوحدات الاجتماعية التي تتمتع بقدر من الخصوصية، فالتعامل مع الوحدات الكبيرة أمر أيسر بكثير بالنسبة لها، ولذا فهي تميل نحو التنميط والترشيد في إطار النماذج الكمية والمادية. وهذا إما أن يؤدي إلى علمنة المجتمع أو إلى خلق تربة خصبة لتقبل العلمانية. وكثيرون ممن تبنوا نمط الدولة المركزية القومية لم يكونوا مدركين لهذه الخاصية البنيوية اللصيقة بها. 2 ـ الأفكار التي تبدو محايدة بريئة: كثير من الأفكار التي تبدو محايدة بريئة تماماً، لا علاقة لها بأية أيديولوجية، تضمر في واقع الأمر الرؤية العلمانية الشاملة. ففكرة الإنسان الطبيعي والقول بوحدة (أي واحدية) العلوم وتبني النماذج الموضوعية المادية في تفسير ظاهرة الإنسان وفكرة نهاية التاريخ والمنظومات الحلولية وخطاب التمركز حول الأنثى (انظر: «الإنسان الطبيعي (المادي) » ـ «وحدة العلوم» ـ «هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية» ـ «نهاية التاريخ» ) هي في تصوُّري الأساس الصلب للرؤية العلمانية الشاملة، ومع هذا فإن كثيرين ممن قاموا بالترويج لهذه الأفكار ولغيرها لم يدركوا النماذج الكامنة وراءها. 3 ـ المنتجات الحضارية اليومية: تُعَد المنتجات الحضارية المألوفة البريئة من أهم آليات العلمنة الشاملة البنيوية الكامنة. ولنضرب مثلاً بالتِّيشيرت T-Shirt الذي يرتديه أي طفل أو رجل وقد كتب عليه مثلاً «اشرب كوكا كولا» . إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ولوقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة التِّيشيرت بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة، ثم تُوظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال) وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً بائعاً (الصدر كمساحة) ومستهلكاً للكوكاكولا (هذا مع العلم بأن الكوكاكولا ليست محرمة) ، أي أن التِّيشيرت أصبح آلية كامنة من آليات العلمنة، ومع هذا لا يمكن القول بأن الكثيرين يدركون ذلك. وقُل الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو برئ، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه، شاء أم أبى. لذا حينما يصبح المنزل عملياً وظيفياً، يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية والأسرار، فإنه مثل التيشيرت يصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق. وأثاث هذا المنزل عادةً وظيفي، يلفظ أية خصوصية باسم الوظيفية والبساطة، ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية. ولنتخيل الآن إنساناً يلبس التيشيرت ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة البريفاب (الكتل الصماء سابقة الإعداد) ويأكل طعاماً وظيفياً (هامبورجر ـ تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية) وينام على سرير وظيفي، أفلن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟ قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة وجدواها. والعلمنة الشاملة البنيوية الكامنة هذه، من خلال أبسط الأشياء، لا تتم على مستوى البيئة الاجتماعية والمادية البرانية وإنما تتغلغل لتصل إلى باطن الإنسان، إلى مستوى عالم الأحلام والرغبات، وهنا سيأتي دور الصور المحايدة البريئة. فصديقنا الوظيفي، إن أراد أن يزجي أوقات فراغه، فإنه سيشاهد فيلماً أمريكياً يقوم بعلمنة وجدانه ورغباته، فالموقف الأساسي في معظم هذه الأفلام هو بطل لا يدين بأية مرجعيات أخلاقية، يقع في حب فتاة جميلة هي البطلة (ولعل كلمة «حب» هنا كلمة متخلفة قليلاً، فهو في الواقع "يشتهيها" وحسب وعلى استعداد لأن "يتعايش" معها) . وتظهر بعض الصعوبات التي يتجاوزها البطل الدارويني، ويفوز بما يشتهي وينغمس في الإشباع الفوري. ولا يختلف هذا عن الكارتون المسمَّى «توم وجيري» ، الذي يصوغ وجدان أطفالنا كل صباح، حيث يقوم الفأر اللذيذ الماكر باستخدام كل الحيل (التي لا يمكن الحكم عليها أخلاقياً، فهي لذيذة وذكية وناجحة) للقضاء على خصمه القط الغبي ثقيل الظل. ولنلاحظ أن القيم المستخدمة هنا قيم نسبية نفسية وظيفية برجماتية، لا علاقة لها بالخير أو الشر، قيم تشير إلى نفسها وحسب، ولا تُفرِّق بين الظاهر والباطن. كما أن الصراع بين الاثنين لاينتهى، يبدأ ببداية الفيلم ولا ينتهى بنهايته، فالعالم، حسب رؤية هذا الكارتون الكامنة، إن هو إلا غابة داروينية مليئة بالذئاب التى تلبس ثياب القط والفأر: توم وجيرى. (أثبتت إحدى الدراسات أن أفلام توم وجيري هي أكبر آلية نقل فكرة حسم المشاكل عن طريق العنف للأطفال. وأعتقد أن من أهم آليات العلمنة البنيوية الكامنة في العالم هي هوليود، وخصوصاً أفلامها غير الفاضحة، مثل أفلام رعاة البقر المسماة «الويسترن western» وأفلام الحرب، فالرؤية العلمانية الشاملة كامنة فيها، بشكل يصعب على الإنسان اكتشافه. وأفلام الويسترن بالذات تنقل لنا رؤية علمانية إمبريالية عنصرية بشعة متحيزة ضدنا. فبطل الفيلم هو الرائد (بالإنجليزية: بايونير pioneer) ،الرجل الأبيض الذي يذهب إلى البرية (أرض بلا شعب) ليفتحها ويستقر فيها ولا يحمل سوى مسدسه. وكلنا يعرف المنظر الشهير، حين يقف اثنان من رعاة البقر في لحظة المواجهة التي يفوز فيها من يصل إلى مسدسه "أسرع" من الآخر. إن هذا المنظر الذى انطبع فى مخيلتنا منذ نعومة أظافرنا، يعلمنا كل أسس الداروينية الاجتماعية: أن الصراع من أجل البقاء هو سنة الحياة وأنه لا يكتب البقاء إلا للأصلح، أى الأقوى أو الأسرع أو الأكثر دهاء ومكرا، وهى مجموعة من الصفات التى لا علاقة لها بأية منظومة قيمية، دينية كانت أم أخلاقية أم إنسانية. وحينما يظهر الهنود الأشرار، هؤلاء «الإرهابيون» أصحاب الأرض الأصليين الذين لا يتركونه وشأنه كى يرعى أبقاره ويبنى مزرعته، أى مستوطنته، على أرضهم وأرض أجدادهم، يحصدهم الكاوبوي برصاصه حصداً "دفاعاً" عن الفتاة البيضاء البريئة وعن حقوقه المطلقه. نستمتع بكل هذا دون أن ندرك أن الكاوبوي هو في واقع الأمر الرائد الصهيوني (الحالوتس) ، وأنه الإنسان الأبيض الإمبريالي الذي نهب ديارنا وثرواتنا وأذلنا، وأن الهنود هم نحن، العرب والفلسطينيون، وأن البرية، هي، فى واقع الأمر، العالم الثالث بأسره، أرض بلا شعب، أو شعب ينظر له الإنسان الغربي من خلال رؤيته العلمانية الإمبريالية الشاملة باعتباره مادة استعمالية يمكنه أن يحوسلها لصالحه. وهكذا نستوعب الرؤية العلمانية الإمبريالية الشاملة، بلا وعى ولا إدراك من جانبنا، فقد جاءت لنا مغلفة تغليفا أنيقا، جزءًا عضويًا كامنًا فى بنيه فيلم لذيل مسل. وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة! أليس هذا أيضاً علمنة للوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟ والمسكينة لا علاقة لها بأية مرجعية، ولا أية قيمة ولا أية مطلقية، إذ أن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون رائعاً، ولكنه ولا شك محدود ونسبي. كما أن خبراتها مع أزواجها (رغم أنها قد تكون مثيرة) لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية (إلا إذا كانت رؤية علمانية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية) . ومع هذا، تُصر الصحف على أن «فلانة» المغنية لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة! وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون. وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة تماماً تؤثر في وجداننا وتُعيد صيانة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، إذ أن أولئك الذين يشاهد أطفالهم توم وجيري، ويرتدون التِّيشيرت، ويشاهدون الأفلام الأمريكية (إباحية كانت أم غير إباحية) ، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كماً هائلاً من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم لمحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجُّه علماني شامل ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أية دعاية صريحة أو واضحة. وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة. ونظراً لعدم إدراك البعض لأشكال العلمنة البنيوية الكامنة هذه، فإنه لا يرصدها. ولذا، يُخفق هذا البعض في تحديد مستويات العلمنة الحقيقية. وعلى هذا، فقد يُصنَّف بلد باعتباره إسلامياً (مثلاً) لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة التي أشرنا إليها. وتجدر ملاحظة أن العلمنة البنيوية الكامنة قد تؤدي إلى توليد متتاليات جديدة للعلمنة تختلف عن المتتالية الغربية (التي تبدأ بعلمنة القطاع الاقتصادي والسياسي وتنتهي بعلمنة الوجدان والسلوك) فعادةً ما تتم علمنة الوجدان أولاً (ثورة التوقعات المتزايدة) وعلمنة بعض جوانب السلوك (زي معيَّن ـ أشكال جديدة من المتعة) ربما بدرجة عالية قريبة من العالم الغربي، ومع هذا يظل القطاع الاقتصادي والقطاع السياسي يدوران في أطر أكثر تقليدية وأقل علمنة وحداثة. ويُلاحَظ هذا في تركيب الأسرة في العالم الثالث حيث نجد أن كل جيل من أجيال هذه الأسرة، بل أحياناً كل عضو، قد تمت علمنته بمعدلات مختلفة. المطلق العلمانى الشامل كل نسق معرفي يدور حول مطلق بمعنى «ركيزة نهائية» أو «أساس نهائي» . ويمكن تعريف المطلق بأنه المركز الذي يتجاوز كل الأجزاء ولا يتجاوزه شيء، وبأنه ما يؤدي وجوده إلى تماسك أجزاء النسق، فهو مصدر الوحدة والتناسق، وهو الركيزة النهائية للنسق أو الصورة المجازية والمبدأ الواحد والمرجعية النهائية والميتافيزيقا المسبقة. والمطلق في المنظومات الكمونية هو مركز الكون الكامن فيه. وأي نسق فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه ويقبله أتباع هذا النسق دون تساؤل بشأنه ودون نقاش. والأنساق الفكرية العلمانية (وهي أنساق كمونية) قد تنكر أية نقطة مرجعية متجاوزة لهذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى ركيزة أساسية ومرجعية نهائية كامنة في المادة (الطبيعة أو الإنسان أو التاريخ) ، ولذا فهي مرجعية نهائية مادية، مركز مطلق أو مركز يشكل مصدر التماسك في الكون والمجتمع ويزوده بالهدف والغاية ويشكل أساس وحدته ويتجاوز كل الأجزاء (من الناحية التفسيرية) وإن كان لا يتجاوزها أنطولوجياً بسبب كمونه فيها. هذا المطلق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد. وقد يأخذ أشكالاً كثيرة، ولكنه في التحليل النهائي هو الطبيعة، التي نشير إليها عادةً بـ «الطبيعة/المادة» . وهذا المطلق العلماني الأساسي الكامن هو وحده المطلق النهائي، هو وحده الثابت وما عداه متغيِّر، مجرد تنويعات عليه. فيقول المرء: "قانون الطبيعة أو قانون الحركة هو كذا" أو يقول: "إننا توصلنا إلى كذا وهو ما يتفق مع القوانين الطبيعية/المادية" ـ ومن هنا الحديث عن «الإنسان الطبيعي» ، أي «الإنسان الطبيعي المادي» الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة ويستمد منها وحدها المعرفة والقيم الأخلاقية والجمالية. وقد عبَّر هذا المطلق النهائي (هذه المرجعية النهائية المادية الكامنة) عن نفسه في بداية الأمر بشكل واضح مباشر، فكان هوبز يشير إلى الدولة/التنين، وإلى الأخلاقيات الذئبية للإنسان باعتبارها تعبيراً عن الطبيعة/المادة، كما تحدث لوك عن عقل الإنسان والصفحة البيضاء التي لا تختلف عن الطبيعة/المادة في أي شيء، وقام كثير من فلاسفة الاستنارة بمحاولة رؤية الإنسان باعتباره آلة وحسب، وقد بسَّط بنتام المنظومة الأخلاقية وجعلها تدور حول المنفعة واللذة بشكل آلي. ويمكن أن نضم إلى هؤلاء دعاة النظرية العرْقية الغربية التي زودت الإمبريالية الغربية بإطار نظري لإبادة الملايين، إذ ترى هذه النظرية أن ما يميِّز البشر ومرجعيتهم النهائية (المادية الكامنة) هو انتماؤهم العرْقي (الطبيعي/المادي) ومن ثم يمكن تفسير تفاوتهم بالعودة إلى القوانين البيولوجية (الطبيعية/المادية) . ويُسمِّي الماركسيون هؤلاء الفلاسفة بالماديين الآليين أو الماديين السُذج أو السوقيين، وهم بالفعل أصحاب رؤية مادية واحدية للإنسان، يتحدثون عن الدوافع الإنسانية وعن الطبيعة البشرية بشكل تافه ساذج أحادي البُعد. وقد أدَّى ذلك إلى رد فعل في الفكر الغربي وظهرت محاولة لاستعادة مفهوم أكثر تركيبية للإنسان ولعقله ولعلاقته بالطبيعة والمجتمع، فظهرت مطلقات ومرجعيات نهائية مادية كامنة أكثر تركيبية وإن لم تكن أقل كمونية مثل: اليد الخفية عند آدم سميث ـ المنفعة عند بنتام ـ وسائل الإنتاج عند ماركس ـ الجنس عند فرويد ـ إرادة القوة عند نيتشه ـ قانون البقاء عند داروين ـ الطفرة الحيوية عند برجسون ـ الروح المطلقة عند هيجل التي تتوحد بالطبيعة في نهاية التاريخ ـ روح التاريخ ـ روح الحضارة ـ روح العصر ـ عبقرية المكان ـ التقدم اللانهائي ـ عبء الرجل الأبيض باعتباره عبئاً حضارياً ... إلخ. ولكن، رغم التركيبية الظاهرة لهذه المفاهيم، فإنها مجرد تنويع مركب على نفس مفهوم الطبيعة/المادة، فالمنفعة والجنس والطبقة لابد أن تُفسَّر، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، تفسيراً مادياً. والمطلق العلماني النهائي والمرجعية النهائية المادية كما أسلفنا هو الطبيعة/المادة، ولكن ثمة تطابقاً شبه كامل بين الصورة الكامنة وراء الطبيعة/المادة باعتبارها مفهوماً فلسفياً وصورة السوق/المصنع: 1 ـ السوق/المصنع شامل لا انقطاع فيه ولا فراغات، فهو يمتد ليشمل الوطن بأسره وها هو قد امتد ليشمل العالم. 2 ـ السوق/المصنع شيء منتظم متسق مع نفسه، خاضع لقوانين ثابتة منتظمة مطردة واضحة بسيطة رياضية حتمية وآلية. 3 ـ السوق/المصنع لا يكترث بالفرد ولا بالإنسان، ولا بالخصوصيات ولا بالغائيات أو القيم الإنسانية، فهو يتجاوز الإنسان ولا يتجاوزه الإنسان. 4 ـ السوق/المصنع يتحرك بشكل تلقائي آلي حسب قوانين العرض والطلب الآلية الرياضية الصارمة الكامنة في السوق ذاته. 5 ـ السوق/المصنع يحوي داخله قوانينه وكل ما نحتاجه لفهمه، وهو واجب الوجود في النظم الرأسمالية والنظم الاشتراكية على حد سواء. ولا ندري هل تبنَّى المفكرون العلمانيون الشاملون آليات السوق/المصنع كمقولات لإدراك الطبيعة كنظام واحدي آلي شامل وكمرجعية نهائية مادية، أم تمت دراسة الطبيعة/المادة واستُخدمت مقولاتها لتأسيس السوق/المصنع وتنظيمه على هديها. وعلى كلٍّ، فإن هذا أمر ثانوي إذ يظل هناك هذا التطابق المدهش بين الطبيعة/المادة والسوق/المصنع، والإنسان الاقتصادي هو الإنسان الطبيعي حينما يذهب إلى السوق والمصنع فيذعن لقوانينه التي لا تختلف عن قوانين الطبيعة/المادة. ولا يختلف وصف دعاة الداروينية الاجتماعية للسوق عن وصفهم للطبيعة/المادة، فالواحد يكاد يكون هو الآخر، والصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح هي قيم نهائية مادية تهيمن على السوق هيمنتها على الطبيعة/المادة. وعملية التطور هي عملية مندفعة من داخل المادة تماماً مثل آليات السوق. وحينما تتم عملية الترشيد والحوسلة (التي تفرض الواحدية على المجتمع) ، فهي تتم في إطار مفهوم الطبيعة/المادة والسوق/المصنع. والسلعة من المطلقات العلمانية والمرجعيات النهائية المادية الأخرى، وكذلك رأس المال (مراكمة المال باعتبارها المعيار المادي النهائي الذي لا يمكن تجاوزه) . وفي المنظومة القومية العضوية، يصبح الشعب العضوي هو هذا المطلق. أما في المنظومة الإمبريالية فالمطلق هو الحضارة الغربية وعبء الرجل الأبيض (أو شيء من هذا القبيل) . ويمكن القول بأن مفهوم التقدم (المادي) هو واحد من أهم المطلقات العلمانية. والمطلق العلماني كامن ولكنه ليس ساكناً، ولذا فهو يتغيَّر ويتلون حسب المرحلة التاريخية. ومنذ منتصف الستينيات أُضيف عنصر ثالث وهو مؤسسات اللذة بحيث أصبحت دورة الإنسان ثلاثية: الإنتاج في المصنع، الاستهلاك في السوق، اللذة في الملهى الليلي (أو أي معادل موضوعي) ولكن هذه الإضافة لم تغيِّر من البنية الأساسية الواحدية الشاملة. وقد تبدَّى المطلق العلماني على المستويين التاريخي والسياسي في شكل مؤسسة الدولة المطلقة التي أصبحت أهم آلية من آليات العلمنة داخل أوربا في المراحل الأولى، ثم قامت جيوشها الإمبريالية بإشاعة النموذج العلماني في بقية العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر. ويرى بشير نافع أن الدولة هي أكثر المؤسسات التي صنعتها يد الإنسان قرباً من حالة الطبيعة (من الناحية البنيوية الفلسفية بطبيعة الحال) ، فالدولة تتبع قانوناً شاملاً ومستمراً يشمل الوطن بأسره. وهو قانون ثابت مطرد حتمي آلي، كامن في الدولة. وهي لا تكترث بالفرد أو بالإنسان، فهو مجرد وسيلة لتحقيق غاياتها ومصلحتها. والدولة "واجبة الوجود" في النظم الحديثة، وبهذا المعنى تُعدُّ الدولة التحقق الكامل والأمثل للمطلق العلماني (ومع هذا نلاحظ أن السوق والمصنع واللذة تنازعانها المطلقية والمرجعية النهائية) . ونحن نذهب إلى أن الإنسان الحديث تم تدجينه وتحويله إلى سبمان متكيف مع المجردات المطلقة اللاإنسانية (مصلحة الدولة ـ قانون الحركة ... إلخ) من خلال شعارات مثل "العودة للطبيعة". فمثل هذا الشعار هو في واقع الأمر دعوة للإنسان لأن يعود لحركة المادة ويقبلها ويذعن لها، متجاوزاً بذلك وجوده المتعيِّن وحسه الخُلقي وخصوصيته وفرديته وفطرته الإنسانية، أي أن عملية تنميط الإنسان وبرمجته وتَشيُّئه تتم من خلال تدريب وجدانه على قبول الطبيعة/المادة، هذا الكيان غير الإنساني المتجاوز للإنسان، باعتبارها المرجعية النهائية. وقد بدأت المتتالية العلمانية بأن جعلت الإنسان هو المطلق العلماني ومركز الكون والمرجعية النهائية المادية (التمركز حول الذات) . ومع تَصاعُد معدلات الترشيد والحوسلة، بدأ الإنسان يتراجع كنقطة مرجعية، وظهرت مطلقات مادية علمانية غير إنسانية، مثل الدولة المطلقة (التمركز حول الموضوع) . تشكل هي نفسها المرجعية النهائية المادية. وكان كل هذا يعني أن الكون يظل في حالة تماسك وذا بنية واضحة يمكن للعقل تفسيرها، ولذا تظل هناك ميتافيزيقا ومرجعية نهائية ويظل هناك ثنائية صلبة وازدواجية. وتتصاعد معدلات العلمنة، وينتشر المركز في كل عناصر النموذج ويتجسد من خلالها جميعاً بلا تمييز ولا تفريق، فيتم التساوي فيما بينها وتسويتها. وفي هذه الحالة، يختفي المركز ويتلاشى وتختفي المرجعيات النهائية المادية إلى أن يصبح المطلق هو الإجراءات. فيظهر ما يُسمَّى «أخلاقيات الصيرورة» ، أي أن يتم الاتفاق بين الجميع على أن المركز والمرجعية النهائية وما لا يقبل النقاش هو الإجراءات وحسب، قوانين اللعبة، أما نوعية اللعبة والهدف منها فهي أمور يمكن مناقشتها والتفاوض بشأنها، وهذه هي مرحلة الواحدية السائلة. والحضارة العلمانية الغربية، بهذا المعنى، حضارة فريدة تماماً. فلأول مرة في تاريخ الإنسان يُلغَى الهدف والغاية ويتحرر المطلق منهما (فيصبح لوجوس بلا تيلوس وميتافيزيقا بدون أخلاقيات) . وهذا هو الإدراك الأساسي الكامن وراء عالم ما بعد الحداثة، فهو عالم صُفِّي وطُهِّر تماماً من المطلقات والمرجعية النهائية، فلا مركز ولا هامش، وإنما عالم أفقي متساو مسطح لا يوجد فيه وضع خاص أو مُتميِّز لأي شيء وضمن ذلك الإنسان، ولذا فهو عالم خالٍ من المعنى، لا يمكن للدال أن يرتبط فيه بالمدلول لأنه عالم لا يحتوي على أي مطلق يربط بين التفاصيل كلها؛ عالم نسبي تماماً ولكنه مع هذا يخلع المطلقية على النسبية. فالمرجعية النهائية هي إنكار المرجعية، والمطلق الثابت الوحيد هو النسبي المتغيِّر، وهذا ما يُعبِّر عنه الفكر المادي بالقول "لا ثبات إلا لقوانين التغير". ومع هذا تظل هناك الداروينية وفكرة البقاء للأقوى باعتبارها المرجعية الوحيدة الثابتة في عالم الواحدية السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد. اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية أشرنا من قبل إلى اللحظة النماذجية كمفهوم تحليلي. ونحن نشير إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها «لحظة الصفر العلمانية» ، أي لحظة هيمنة نموذج الواحدية المادية هيمنة كاملة لأن أسطورة الأصل العلمانية الشاملة تذهب إلى أن العالم ظهر بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مُشكَّلة ومن خلال تفاعل كيمائي بسيط أنتج خلية واحدة لزجة تطورت بالصدفة حسب قانون صارم، ثم نمت وتطورت إلى أن أصبحت الإنسان الطبيعي (المادي ذا العقل الذي يشبه الصفحة البيضاء الشمعية والذي لا يتمتع بأي انفصال عن الطبيعة. فهو بغير هوية محددة ولا يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية أو الطبيعة/المادة، وهو يعيش خاضعاً تماماً لقوانين الضرورة والصيرورة لا يملك فكاكاً منها، أي أن كل لحظات وجوده هي سيولة دائمة، فهي لحظة جنينية كاملة. ولكن نقطة الصفر لا تنصرف إلى الأصل وحسب، وإنما تنصرف إلى النهاية، فنهاية النموذج العلماني تفترض أن الإنسان سيكون متحكماً تماماً في واقعه متمركزاً تماماً حول ذاته، فهو كالإله يتجاوز الخير والشر والبكاء والضحك، ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي. ولكن هذه اللحظة، رغم صلابتها، هي أيضاً لحظة جنينية يفقد فيها الإنسان مركزيته وحدوده وهويته واستقلاله عن الطبيعة ويصبح جزءاً لا يتجزأ من الكل: الدولة ـ المجتمع ـ الطبيعة ـ الطبقة العاملة. وتسود الواحدية المادية، فيصبح الكون واحدياً مادياً تماماً، متساوية أجزاؤه. ولحظة البداية، شأنها شأن لحظة النهاية، هي أيضاً لحظة ترانسفير حيث يمكن لأي شيء أن يحل محل أي شيء آخر، ويصبح قابلاً للاستعمال والتنقل والنقل والترحيل. وهي لحظة تَشُّيؤ وتَسلُّع وتَوثُّن، إذ تسري على الإنسان نفس القوانين التي تسري على الأشياء وتصبح الطبيعة/المادة هي مرجعيته النهائية المادية فيصبح كائناً طبيعياً وشيئاً يشبه الآلة. واللحظة النماذجية يمكن أن تكون لحظة فكرية، أي أن تتحقق في نسق فلسفي يصل صاحبه إلى ما يتصوره جوهر الأمور والواحدية المادية التي تسود العالم، فلا تغشى عيونه غشاوة، ويمكن أن تكون لحظة فعلية، أي أن تتحقق في الواقع نفسه، حين يحاول شخص أو نظام اجتماعي أن يحقق النموذج بحذافيره ويفرضه فرضاً على الواقع (كما حدث في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية) . ولعل من أهم الفلاسفة العلمانيين الشاملين، من منظور اللحظة النماذجية الفكرية، الفيلسوف توماس هوبز الذي تشكل كتاباته لحظة تَعيُّن للنموذج العلماني الشامل ولواحديته المادية الصارمة ولمرجعيته المادية الصراعية الوحشية ولإنكاره حرية الإنسان وإرادته ومقدرته على التجاوز. وقد تبعه إسبينوزا بخطابه الهندسي المادي الصارم حيث تختفي أية غائية أو تَجاوُز ويغيب الإنسان تماماً في المجردات اللاإنسانية. وقد أثار هذا الوضوح والتبلور في النماذج قلق كثير من الفلاسفة العلمانيين، فقاموا بمحاولات يائسة لإضافة محسنات فلسفية وثنائيات ظاهرية واهية. ولعل الجدل الهيجلي هو أهم محاولة في هذا المضمار، إذ يصر على جدلية الواقع وعلى التجاوز المستمر للمعطيات الحسية للواقع، ولكنه مع هذا ينحدر إلى نقطة الصفر العلمانية مرة أخرى مع التحام الذات بالموضوع، ومع نهاية التاريخ حين يتحقق العقل الكلي والمطلق في التاريخ والطبيعة، وهي النقطة التي ينتهي فيها التجاوز. وفي الفلسفات الماركسية، تطل نقطة الصفر العلمانية في عبارة " في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر". فأمام التنوع اللامتناهي للعالم، أدرك أصحاب النموذج العلماني الشامل أن هناك عالماً من الأفكار والأحلام والاختيار الحر والقيم وكان عليهم رده إلى الطبيعة/المادة حتى تسود الواحدية. ولذا سمِّي عالم الأفكار والقيم بـ «البناء الفوقي» ، ووُصف بأنه ليس له وجود حقيقي، فهو مجرد ظاهرة تابعة (بالإنجليزية: إبي فينومنون epiphenomenon) ، وتعبير باهت عن البناء التحتي ليس إلا، ويصبح الجهد المعرفي هو فك شفرة البناء الفوقي من خلال البناء التحتي. ويمكن تفسير سلوك الإنسان بهذه الطريقة، من خلال فهم حركة المادة، فهي المرجعية النهائية، فيُفسَّر سلوك الإنسان من خلال العناصر الاقتصادية أو من خلال الجنس أو من خلال ما يُسمَّى «إرادة القوة» ، فكل شيء "في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إن هو إلا مادة" يُردُّ إلى المطلق العلماني النهائي (الطبيعة/المادة) فيُردُّ الباطن (الروحي الفوقي) إلى الظاهر (المادي التحتي) وتُردُّ الهوية (الخاصة) إلى القانون العام، ويحل ما هو غير إنساني محل ما هو إنساني (ترانسفير) . ويتضح لنا أن العقل (في التحليل الأخير) ليس إلا مادة تتراكم عليها الأحاسيس، وأن الإنسان (في نهاية المطاف) ليس سوى جزء من الطبيعة، وأن عقله (في نهاية الأمر) ليس غير صفحة مادية بيضاء تتراكم عليها الأحاسيس المادية التي تسجلها الأعصاب، فتصبح كل الأمور متساوية نسبية خاضعة للقياس، ويتم كشف كل شيء (أي تفكيكه) . ومن ثم، يتحقق النموذج تماماً في اللحظة النماذجية وتطل الميتافيزيقا العلمانية الشاملة بوجهها العدمي القبيح حيث يُقوَّض الإنسان تماماً ويُردُّ إلى ما هو دون الإنسان. وما كان كامناً في النموذج يصبح واضحاً. ويظهر أن الفكر العلماني الشامل ليس فكراً تفكيكياً بطبيعته وحسب وإنما هو فكر تقويضي كذلك (وفكر إبادي) . ونقطة الصفر العلمانية يمكن أن تأخذ شكلاً شاملاً، وهو ما يتضح في الخطاب ما بعد الحداثي، وتُستخدَم كلمة «أبوريا aporia» للإشارة إلى نقطة الصفر العلمانية، وهي كلمة يونانية تعني «الهوة التي ليس لها قرار» ، حيث يصبح العالم هوة من الثقوب السوداء تبتلع كل شيء، فتسقط المطلقات العلمانية وغير العلمانية كافة، وتسقط المطلقات الدينية والمادية على حد سواء، حتى نصل إلى عالم سائل لا نسق فيه ولا مرجعيات ولا تَجاوُز. ويمكن القول بأن ما بعد الحداثة هي تحقُّق للعوامل التفكيكية داخل المنظومة التحديثية وأنها تحقُّق للنسبية الكامنة في النموذج التحديثي بحيث تصبح نسبية كاملة وصيرورة تامة وسيولة شاملة. وإذا كانت المنظومة التحديثية قد أدَّت إلى تفكيك الإنسان وإحساسه باللامعيارية (الأنومي) ، وإذا كانت الحداثة هي احتجاج الإنسان على ما يحدث له، فإن ما بعد الحداثة هي تطبيع كامل لهذه اللامعيارية وتعبير عن تقبُّل الإنسان لحالة التشيُّؤ الناجمة عن التحديث. وحتى نزيد المقدرة التحليلية لمفهوم نقطة الصفر العلمانية سنشير إلى ثلاث لحظات علمانية شاملة نماذجية مختلفة أقل عمومية من لحظة الصفر العلمانية هي ما يلي: أ) اللحظة السنغافورية ويظهر فيها الإنسان الاقتصادي. ب) اللحظة التايلاندية ويظهر فيها الإنسان الجسماني. جـ) اللحظة النازية (والصهيونية) ويظهر فيها الإنسان الطبيعي/المادي أو الإنسان كمادة محضة. والإنسان في هذه الحالات جميعاً، إنسان طبيعي وظيفي، يُعرَّف في إطار وظائفه البيولوجية والاجتماعية. أ) اللحظة السنغافورية: نسبة إلى سنغافورة، وهي بلد صغير في آسيا يتسم بأنه بلا تاريخ ولا ذاكرة تاريخية ولا تقاليد حضارية أو منظومات قيمية راسخة، ولذا يمكن ببساطة تجاهلها كلها أو تهميشها حتى يتحول الإنسان إلى وحدة اقتصادية ذات بُعد مادي واحد قادرة على الإنتاج والاستهلاك والبيع والشراء، وتصبح البلد كلها مجموعة من المحلات والسوبر ماركتات والفنادق والمصانع، وينظر الناس إلى أنفسهم لا كبشر وإنما كوحدات إنتاجية استهلاكية. وقد أصبحت سنغافورة حلم كثير من أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث التي تفهم التنمية في إطار اقتصادي محض. والرؤية السنغافورية هي الرؤية المهيمنة على المنظمات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي التي تعطي القروض في هذا الإطار الاقتصادي السنغافوري المحض. وقد اقترح أحد كبار الخبراء في البنك الدولي ذات مرة أن تتخلص الدول الغربية من نفاياتها النووية والعوادم الكيميائية وغيرها من العوادم بإلقائها في البلاد الأفريقية نظير إعطائها بعض المعونات الاقتصادية، وهذه رؤية سنغافورية كاملة ترى البلاد لا باعتبارها فنادق وأسواقاً ومصانع وإنما باعتبارها مقلب نفايات. والسنغافورية لحظة أمسكت بتلابيب مجتمع بأسره، ولكن اللحظة السنغافورية الواحدية يمكن أن تظهر على هيئة أفراد. ففي الاتحاد السوفيتي ظهرت فكرة أبطال الإنتاج، وهم بشر (مثل ستهانوف) كانوا يكرسون حياتهم كلها لعملية الإنتاج بشكل يفوق حدود طاقة البشر (وقد انتهت حياة ستهانوف بأن أصيب بالعديد من الأمراض، كما ظهر أن كثيراً من بطولاته كانت مجرد أكاذيب إعلانية) . كما أن كثيراً من نظريات الإدارة في الولايات المتحدة ذات طابع سنغافوري واحدي كامل، فهي نظريات تدعو إلى إخضاع جميع حركات العامل وسكناته للدراسة حتى يمكن توظيفها تماماً في خدمة الإنتاج لكي يصبح الجميع أبطال إنتاج. وتقوم الإعلانات التليفزيونية بتحويل الجميع أيضاً إلى أبطال استهلاك. والدعوة إلى السوق الشرق أوسطية في عالمنا العربي الإسلامي هي دعوة لتحويل الإنسان العربي الإسلامي إلى إنسان سنغافوري بحيث تتحول كل بلادنا إلى بوتيكات وسوبرماركتات. ب) اللحظة التايلاندية: نسبة إلى تايلاند، وهي بلد آسيوي أصبح قطاع البغاء فيه من أهم مصادر الدخل القومي وتكوَّن فيه لوبي قوي من ملوك البغاء والمخدرات حتى أصبح من المستحيل الآن تَخيُّل تايلاند بدون هذا القطاع البالغ الأهمية. واللحظة التايلاندية تعبير عن الإنسان الجسماني حيث يتحول الإنسان تماماً إلى أداة للمتعة (في عصر ما بعد الحداثة والاستهلاكية العالمية) . وإذا كانت الدعوة إلى تحويل كل البلاد إلى تايلاند مسألة صعبة، إذ يفزع الناس من نزع القداسة تماماً عنهم، إلا أن الحديث عن السياحة وتطوير القطاع السياحي يخبئ عادةً نزعة تايلاندية عميقة يتحاشى الجميع مواجهتها. جـ) اللحظة النازية (والصهيونية) : وهي أهم اللحظات النماذجية وأكثرها مادية، لأنها تعبير مباشر عن الإنسان الطبيعي/المادي، الإنسان كمادة محضة وكقوة إمبريالية مادية كاسحة. فالمجتمع النازي كان يعتبر الإنسان كائناً طبيعياً مرجعيته النهائية هي الطبيعة/المادة ومرجعيته الأخلاقية المادية هي إرادة القوة، ولهذا نظر إلى البشر جميعاً باعتبارهم مادة استعمالية يمكن توظيفها ويقوم الأقوى والأصلح (من الناحية الطبيعية/المادية) بهذه العملية لصالحه. ومن هنا، تم تقسيم البشر، من منظور مادي رشيد، إلى أشخاص نافعين وأشخاص غير نافعين، وتَقرَّر إبادة بعض غير النافعين منهم ممن لا يمكن إصلاحهم وتحويلهم إلى عناصر منتجة، وذلك بعد دراسة علمية تمت من منظور مادي علمي رشيد. ويمكن القول بأن معسكر الاعتقال هو مجتمع واحدي مادي نماذجي تم التحكم في كل شيء داخله، وضمن ذلك البشر، وطُبِّقت عليهم نماذج رياضية صارمة ذات طابع هوبزي وإسبينوزي تم تطهيرها تماماً من ظلال الإله، فلا رحمة فيها ولا تراحم، ولا مجال فيها لأية غائيات أو مرجعيات إنسانية لأن المرجعية الوحيدة هي المنفعة المادية وإرادة القوة. ولذا أُعطي كل إنسان رقماً حتى يمكن إدارة المعسكر بكفاءة شديدة، وتحوَّل الإنسان إلى مادة استعمالية تُولَّد منها الطاقة (عمالة رخيصة) أو سلع (تحويل العظام إلى سماد، والشحوم الإنسانية إلى صابون، والشعر البشري إلى فُرَش ... إلخ) . وعلى هذا النحو، تم تعظيم الفائدة وتقليل العادم. وبالمثل، لا تُعتبَر اللحظة الصهيونية انحرافاً عن الفكر العلماني الشامل الإمبريالي، بل تمثل تبلوراً حاداً له. فانطلاقاً من الطبيعة/المادة باعتبارها المرجعية النهائية المادية ومن إرادة القوة وأخلاق الغاب (باعتبارها المرجعية الأخلاقية المادية) نظرت الصهيونية إلى فلسطين باعتبارها أرضاً بلا شعب (أي أنها استبعدت العنصر الإنساني منها) وحوَّلت كل شيء إلى مادة: فأصبحت فلسطين أرضاً تُستغَل، وأصبح الفلسطينيون أنفسهم مادة بشرية تُنقل وتُباد وتُستغَل، وأصبح اليهود أيضاً مادة بشرية يتم تخليص أوربا منها عن طريق نقلها. ولحظة تَبلور النموذج العلماني هي عادةً ـ كما أسلفنا ـ لحظة ترانسفير، حيث يصبح كل شيء قابلاً للاستعمال والنقل. واللحظات النماذجية الثلاث (السنغافورية والتايلاندية والنازية) ليست منفصلة تماماً، فهي جميعاً لا تعترف إلا بالطبيعة/المادة والواحدية المادية وتحول الإنسان إلى مادة نافعة وتنزع عنه القداسة وتعريه من إنسانيته (بالإنجليزية: دي نيود de nude) ، وهو ما نسميه «الإباحية المعرفية» حيث لا حرمات ولا مطلقات، وحيث يُترَك الإنسان عارياً تماماً أمام مؤسسة قوية تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة والنفعية الداروينية التي تقوم بحوسلته وتوظيفه. فإذا كان العالم مادة، وإذا كانت كل الأمور متساوية، والإنسان مادة لا قداسة لها ليس إلا، ولا توجد سوى مرجعيات أخلاقية مادية، فإن النشاط الجنسي ـ عل سبيل المثال ـ مجرد نشاط مادي، شأنه شأن النشاط الاقتصادي، ومن ثم يمكن النظر للطاقة الجنسية للإنسان باعتبارها طاقة طبيعية/مادية يمكن توظيفها داخل إطار السوق والمصنع، أي أن تصبح الطاقة الجنسية مادة إنتاجية استهلاكية. ومن ثم، يمكن أن تظهر تجارة/صناعة البغاء، وتصبح البغيّ من أدوات الإنتاج، وهي في الماخور (في تايلاند أو في أي مكان) لا تختلف كثيراً عن أبطال الإنتاج في المصانع السوفيتية أو الأمريكية ولا عن اليهودي أو السلافي أو المعوقين في معسكرات الاعتقال، إذ يتحول الجميع إلى مادة استعمالية وطاقة محض. فالإنسان في اللحظة السنغافورية يتحول إلى طاقة إنتاجية وإلى قدرة شرائية تصب في عملية الإنتاج والاستهلاك القومي. بينما يتحول، في اللحظة التايلاندية إلى طاقة جنسية تقدم خدماتها للمستهلكين من السياح، فتحسِّن الدخل القومي وتعدِّل ميزان المدفوعات لحساب الوطن. وفي اللحظة النازية والصهيونية، يتحوَّل الإنسان غير النافع (اليهودي كمادة بشرية فائضة) إلى مادة استعمالية تزداد إنتاجيتها في معسكرات الاعتقال والسخرة أو في الدولة الصهيونية أو يتم التخلص منها في معسكرات الإبادة حسب مقتضيات الأمور (الأمر الذي يفيد الاقتصاد الوطني كثيراً) . ونحن نعرف تماماً، من خلال معرفتنا بالترشيد الإجرائي أو الأداتي، وأخلاق الصيرورة، أن طبيعة العمل والهدف منه ليست لهما أية أهمية، فالمهم هو كيفية إدارته (الأداء والإجراءات) وكيفية توظيف الطاقة البشرية بأقل التكاليف لتحقيق أعلى عائد. ويبدو أن المجتمع الأمريكي الرشيد يشارك في هذه الرؤية، أو على الأقل قطاعات مهمة فيه، فحينما قُبض على السيدة سيدني بيدل باروز Sydney Biddle Barows (وهي سيدة من أسرة باروز الأرستقراطية العريقة، التي أتى مؤسسها على سفينة الماي فلاور، أول سفينة نقلت المهاجرين الإنجليز إلى الولايات المتحدة) ، وحينما وُجِّهت إليها تهمة إدارة حلقة دعارة في نيويورك، انطلقت من رؤية واحدية مادية صارمة ترفض أي تجاوز أو ثنائيات أو غيبيات وبيَّنت بما لا يقبل الشك أن الدعارة عمل استثماري، بيزنس business (وهذا لا يختلف عن خط دفاع أيخمان عن نفسه، وهو أنه موظف حكومي ينفذ ما يَصدُر له من أوامر) . وبعد فترة قصيرة من التردد، نفض الناس عنهم أية مرجعيات ميتافيزيقية متخلفة وتقبلوا الروية الواحدية المادية واستطاعوا أن ينظروا إلى سيدة الماي فلاور بشكل موضوعي، وتحولت قصتها من قصة صاحبة ماخور، إلى قصة صاحبة عمل ناجح. وهو ما دفعها إلى نشر سيرتها الذاتية تحت عنوان قصة حياة الماي فلاور مدام، أو حياة سيدني بيدل باروز السرية. وأصبح هذا الكتاب من أهم الكتب المُتداوَلة وحققت المؤلفة أرباحاً خيالية منه (كما هو الحال دائماً مع مثل هذه الكتب في عصر الفضائح والترشيد الإجرائي) . وبعد ذلك بعامين، صدر كتاب لنفس السيدة، وكان أكثر إجرائية، فقد كان يُسمَّى آداب الماي فلاور: قواعد السلوك للراشدين المثقفين Mayflower Manners: Etiquette for Consenting Adults. وعبارة " كونسنتج أدلتس " التي ترد في العنوان هي عبارة قانونية تشير إلى أي شخصين بالغين يمارسان الجنس معاً برضائهما، ولذا فعملهما شأن خاص بهما. وفي هذا الكتاب قامت المدام الواحدية المادية الصارمة بتعليم النساء كيفية التصرف بلباقة في الفراش، باعتبار أنها راكمت الكثير من المعرفة في مجال تَخصُّصها. وبعد ذلك بعام واحد، قامت نفس السيدة الرائدة في مجالها الموضوعية في أدائها بتدريس مقرر في إحدى المدارس الحرة عن هذا الموضوع. ولا ندري هل ستنتقل إلى المعاهد العليا وأكاديميات البحوث المتخصصة أم لا؟ وهل ستؤسس تخصصاً أكاديمياً جديداً؟ وعلى كلٍّ تقوم إحدى مؤسسات الرفاه الخيرية (المجانية) في أستراليا، وهي إحدى المؤسسات المدنية الطوعية غير الحكومية داخل المجتمع، بترتيب دورات تدريبية للبغايا حتى يمكنهن تحسين أدائهن في ساعات العمل الشاقة والمضنية. وحينما سُئل أحد مسئولي الدورة عن الحكمة من وراء ذلك، أجاب بحياد شديد رشيد بأن التخصص هو إحدى سمات العصر وأن كثيراً من عاملات الجنس لا يعرفن قواعد الصحة التي يجب مراعاتها ومناهج الأداء المختلفة وحقوقهن وواجباتهن (وهذا هو قمة الترشيد الأداتي) . ويُلاحَظ علمنة المصطلحات المستخدمة في وصف عملية تَحوُّل الإنسان المتكامل المركب إلى إنسان طبيعي وظيفي ـ اقتصادي سنغافوري ـ جسماني تايلاندي ـ إمبريالي نازي أو صهيوني. وهذا أمر مُتوَّقع تماماً متسق مع نفسه، فاللحظة العلمانية الشاملة النماذجية هي لحظة تَشيُّؤ كامل وواحدية مادية، ولذا فإن ما يَصلُح لوصف الأشياء، يَصلُح لوصف الإنسان، واللغة المحايدة تجعلنا ننسى إنسانية الإنسان. فلم يكن النازيون يتحدثون مطلقاً عن "الإبادة" وإنما عن "الحل النهائي"، ولم تكن "أفران الغاز" سوى "أدشاش" تُستخدَم من أجل الصحة العامة. ولا يتحدث الصهاينة عن فلسطين وإنما عن الأرض التي جاءوا "لزراعتها" (لا لاغتصابها) . ولا يتحدث أحد أثناء اللحظة السنغافورية عن توظيف الإنسان وتَسلُّعه وإنما عن "تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج، وتوفير الرفاهية والرخاء لأكبر عدد ممكن"، دون أية إشارة للأبعاد الكلية والنهائية. وتحييد المصطلحات في حالة اللحظة التايلاندية يستحق قدراً من التوقف، فإذا كان تحييد المصطلح في حالة اللحظة النازية مأساوياً، فهو هنا ولا شك كوميدي. إذ يتحول البغاء إلى أهم القطاعات الاقتصادية (كما هو الحال في بعض الدول الآسيوية) . ومن ثم، تصبح البغيّ (التي يُقال لها في اللغة التقليدية «بروستيتيوت prostitute» ) في بداية الأمر مجرد عاملة جنس (بالإنجليزية: سكس وركر Sex worker) ، عضو في البروليتاريا الكادحة تقوم بنشاط اقتصادي منتج، ثم تتحول بالتدريج إلى بطلة قومية. وبعد قليل، قد يصبح من واجب الجميع أن يؤدوا واجبهم القومي بتجريد كامل وحياد شديد. (والعياذ بالله) . ولكن ليس بإمكان أحد أن يتحلى بمثل هذه الشجاعة وهذا الحياد (إلا فيما ندر) فالبشر ـ والحمد لله ـ لا يمكنهم نزع القداسة عن ذواتهم تماماً وببساطة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
علمنة اليهودية
Secularization of Judaism «علمنة اليهودية» مصطلح نستخدمه لنصف إعادة صياغة النسق الديني اليهودي من الداخل على يد بعض المفكرين اليهود العلمانيين وشبه العلمانيين، حتى تتكيف اليهودية تماماً مع العلمانية (بعقلانيتها أو لا عقلانيتها المادية) ، وتصبح كل منطلقات اليهودية الدينية والفلسفية ذات طابع نسبي تاريخاني. ولكي ندرس العلاقة بين العلمانية والصهيونية، لابد أن ندرس العلاقة بين الحلولية والعلمانية. والحلولية هي تداخل عناصر الثالوث الحلولي (الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة) ،إذ يحل الإله تدريجياً في الإنسان والطبيعة حتى يلتصق بهما ويتوحَّد معهما ولا يبقى منه سوى الاسم (مرحلة وحدة الوجود الروحية وشحوب الإله) .ثم يسقط الاسم نفسه (مرحلة وحدة الوجود المادية والواحدية المادية الكونية وموت الإله) .ومرحلة الواحدية الكونية هي المرحلة التي تختفي فيها تماماً المساحة بين الخالق والمخلوق وبين المطلق والنسبي وبين الإنساني والطبيعي وتَمَّحي كل الثنائيات والخصوصيات، وتصبح كل الأمور مقدَّسة متساوية ومن ثم نسبية، ويصبح كل شيء مرجعاً لذاته وتسقط المرجعية المتجاوزة. وعلمنة العقيدة اليهودية هي عملية تحويرها (وإفسادها) ، عن وعي أو عن غير وعي، على يد المفكرين الدينيين اليهود الذين أسقطوا كثيراً من المعتقدات الدينية اليهودية المحورية الأساسية التي تؤكد ثنائية الواقع ووجود المطلقات المتجاوزة لتحل محلها عقائد حلولية جديدة تنكر الثنائية والتجاوز وتؤكد الواحدية الكونية (الصلبة أو السائلة) بحيث لا تختلف اليهودية في بنيتها عن أية عقيدة علمانية. ولنا أن نلاحظ أن من المألوف أنْ يستخدم المفكرون الذين يقومون بعملية العلمنة المصطلحات والمفردات الدينية نفسها التي استخدمها المفكرون الدينيون التقليديون. ويمكن القول بأن اليهودية، كنسق ديني، كانت مرشحة للعلمنة من الداخل لعدة أسباب من أهمها: 1 ـ طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي يحوي داخله العديد من التناقضات. 2 ـ الطبقة الحلولية القوية داخل هذا التركيب، والتي كانت قد اكتسحت معظم يهود اليديشية في العالم. 3 ـ اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية، وأعضاء هذه الجماعات عادةً من حملة الفكر العلماني. 4 ـ أزمة اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن التاسع عشر وتَجمُّدها وتصلُّبها الأمر الذي جعلها غير قادرة على الاستجابة لتحديات الثورة العلمانية الشاملة. وتاريخ الفكر الديني اليهودي منذ عصر النهضة في الغرب هو أيضاً تاريخ علمنة النسق الديني اليهودي. ويمكن العودة للباب المعنون «إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية» ولباب «إشكالية الحلولية اليهودية» . كما يمكن العودة للمداخل التالية: 1 ـ «إسبينوزا، باروخ» ، وهو الفيلسوف الذي تتحول على يديه الحلولية الدينية إلى الطبيعية المادية دون إسقاط الديباجات الدينية (الإله هو الطبيعة) . 2 ـ «اليهودية الإصلاحية» ، وهي الفرقة التي قامت بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع روح العصر (باعتبار أن العصر الحديث موضع الحلول) . 3 ـ «اليهودية المحافظة» ، وهي الفرقة الدينية التي ترى أن اليهودية تعبير عن روح الشعب اليهودي وعن تاريخه. وستتناول بقية مداخل هذا القسم بعض المفكرين الدينيين اليهود الذين ساهموا في عملية العلمنة. وكلهم فلاسفة يؤكدون العلاقة الحوارية (الحلولية/ العضوية) بين الشعب اليهودي والخالق، أي حلول الإله في الشعب والأرض. وفي آخر هذا القسم سنتناول اليهودية الليبرالية واليهودية التجديدية باعتبارهما حركتين تدَّعيان أنهما «دينيتان» ولكنهما في واقع الأمر علمانيتان بشكل واضح. فالديباجة الدينية شاحبة، وفكرة الإله تتأرجح بين مرحلة شحوب الإله وموته الكلي بل اختفاء ظلاله الباقية في مرحلة ما بعد الحداثة) . فكلاهما مرجعيته النهائية هي الدنيا أو التاريخ أو الطبيعة، ولذا فهما يحاولان تكييف العقيدة لتتفق مع الدنيا (والدنيا في حالة اليهودية التجديدية هي الولايات المتحدة) ، ولذا فهي تقوم بإعادة صياغة اليهودية لتتفق مع عقيدة التقدم، ومع وضع يهود أمريكا باعتبارهم جزءاً عضوياً من المجتمع الأمريكي. وقد أدَّى تصاعُد معدلات علمنة النسق الديني من الداخل إلى أن الجو أصبح مهيأً تماماً لاستيلاء العقيدة الصهيونية على العقيدة اليهودية الى أن حلت محلها من خلال عملية الصهينة من الداخل، حتى أصبحت الصهيونية مرادفة لليهودية وظهرت أشكال من اليهودية مثل «اليهودية العلمانية» و «اليهودية الإثنية» و «اليهودية الإلحادية» و «لاهوت موت الإله» (انظر المداخل الخاصة بكل موضوع) ، وما شابه ذلك من عقائد علمانية تماماً تستخدم مفردات واصطلاحات وديباجات دينية. ليو بايك (1873-1956 ( Leo Baeck مؤرخ وحاخام ليبرالي ألماني الأصل. درس في ألمانيا، ونُصِّب حاخاماً هناك، وعمل حاخاماً في برلين منذ عام 1912. واشتغل بالتدريس في المدارس الدينية، كما عمل حاخاماً في الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الأولى. وانتُخب رئيساً للهيئة التي تمثل كل يهود ألمانيا مع وصول النازي إلى الحكم. ورفض أن يغادر ألمانيا، فأُودع أحد معسكرات الاعتقال. يرى بايك في كتابه جوهر اليهودية (1905) أن اليهودية أسمى تعبير عن الأخلاق، فهي ديانة من النمط الكلاسيكي تتَّسم بالواقعية والتفاؤل الخلقي والالتزام العميق بحرية الإنسان، ولذا فهو يرى أنها ديانة العقل الكلاسيكية، وذلك على خلاف المسيحية، فهي ديانة العواطف الرومانتيكية التي تحوي داخلها ميلاً (بدءاً ببولس) نحو تأكيد عنصر الرحمة الإلهية، والاتحاد الصوفي بالإله، وكذلك تأكيد أهمية الإيمان على حساب الأفعال، الأمر الذي أدَّى إلى عدم الاكتراث للكفاح ضد الشر (أي أنه يصنف المسيحية باعتبارها عقيدة صوفية تدور في إطار حلولي) . ويذهب بايك، أيضاً إلى أن اليهودية ديانة عالمية وشاملة في محتواها ودروسها الأخلاقية. ولم يقرن بايك اليهودية بالعنصر الأخلاقي وحسب، وإنما ذهب إلى أن الواجب اللامتناهي لتحقيق الخير ينبع من السر الذي هو الإله. والإنسان، بإدراكه السر الإلهي، يدرك أنه خُلق لهدف وغرض ولم يُوجَد صدفة، وكل هذا يدل على أن بايك يحاول أن يفسر اليهودية بأنها ديانة توحيدية تعادي الحلولية. ولكنه، مع هذا، يضيف أن اليهودية رغم عالميتها ديانة خاصة ومرتبطة بأمة بعينها في تعبيرها التاريخي عن نفسها، أي أنه تَراجَع عن العالمية الأخلاقية وسقط في الخصوصية العرْقية أو العنصرية. ويظهر التراجع عن التوحيد في تصوُّر بايك في واقع أن إدراك الإنسان للوصية الإلهية يؤدي به إلى إدراك أن الإله يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق، أي أن يصبح المخلوق خالقاً. كما أنه، مع إدراك الوصية الإلهية، يدرك أنه يُتوقَّع منه أن يقوم هو نفسه بالخلق. وفي آخر كتبه هذا الشعب إسرائيل: معني الوجود اليهودي، ينتقل من تعريف جوهر اليهودية إلى محاولة تحديد المعنى الداخلي للدين اليهودي، فيجد أنها عملية بعث مستمرة تقوم يسرائيل خلالها بإعادة صياغة وتطبيق أوامر الإله على حاضر دائم التغير. ويظهر في كتابات بايك الكثير من الموضوعات الحلولية الصهيونية مثل: رسالة يسرائيل الخاصة، ومركزية يسرائيل في عملية البعث التاريخي. ومع هذا، فإن من غير المعروف عنه أنه اتخذ موقفاً صهيونياً صريحاً، بل له مواقف تناقض العقيدة الصهيونية صراحةً. والبُعْد اليهودي في فكر بايك واضح تماماً، فهو مفكر ديني كان يعمل حاخاماً. ومع هذا، فثمة تَشابُه عميق بين فكره والفكر الألماني الرومانسي الذي يشكل الأرضية التي نبت فيها والإطار الذي يتحرك داخله. مارتن بوبر (1878-1965 ( Martin Buber مفكر ألماني يهودي حلولي، متطرف في حلوليته وجودي النزعة، كان لا يؤمن باليهودية الحاخامية أو بضرورة تطبيق الشريعة، ولم يقرأ التلمود على الإطلاق. ومع هذا، فإنه يُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود في القرن العشرين. وهو من دعاة التصوف اليهودي. ويُعتبر بوبر أحد كبار مفسري العهد القديم، وأحد أهم مفكري الصهيونية ذات الديباجات الثقافية. وُلد في فيينا، وأمضى صباه في جاليشيا عند جده حيث اتصل بالحركة الحسيدية التي لعبت دوراً حاسماً في تطوره الديني (الصوفي) والفلسفي والسياسي. وانتقل إلى فيينا عام 1896 لمتابعة دراسته في جامعتها، وتزوج بولا ونكلر (وهي فتاة ألمانية غير يهودية من ميونيخ) . انضم بوبر إلى جماعة قديما الصهيونية في فيينا، ثم انضم إلى المنظمة الصهيونية عند تأسيسها عام 1898 وعمل رئيساً لتحرير جريدة دي فيلت الناطقة بلسان الحركة الصهوينة. وبعد فترة قصيرة من التعاون مع هرتزل، اختلف الاثنان بسبب اختلاف منطلقاتهما الفلسفية. واشترك في تأسيس ما يُسمَّى «العصبة الديموقراطية» مع وايزمان الذي عارض هرتزل خلال المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) . ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسس بوبر اللجنة القومية اليهودية التي تعاونت مع قوات الاحتلال الألمانية في بولندا، وقامت بالدعاية بين يهود اليديشية لضمهم للجانب الألماني ولتجنيدهم لحسابه. وفي عام 1916، أسس مجلة اليهودي التي كانت تُعَدُّ من أهم المجلات الفكرية اليهودية، والتي شرح بوبر على صفحاتها فلسفة الحوار الحلولية الوجودية وموقفه الصهيوني. وقد اشترك بوبر مع الفيلسوف اليهودي فرانز روزنزفايج في ترجمة التوراة إلى الألمانية في العشرينيات (ولكنه لم يَفرُغ منها إلا عام 1964) وهي ترجمة ذات طابع وجودي. وقد نشر خلال هذه الفترة بضعة كتب عن الحسيدية. شغل بوبر منصب أستاذ فلسفة الدين اليهودي والأخلاق في جامعة فرانكفورت في الفترة 24 ـ 1933، وأسس معهد الدراسات اليهودية فيها. وقد صَدَر له عام 1923 أهم كتبه أنا وأنت الذي يحوي جوهر فلسفته الحوارية. وفي عام 1933، استولى النازيون على الحكم وصاغوا مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، ذلك المفهوم الذي يشكل حجر الزاوية في الفكر النازي والصهيوني، وهو ما كان يعني تأسيس نظام تعليمي لليهود مستقل عن النظام التعليمي الألماني. وقد عُيِّن بوبر مديراً للمكتب المركزي لتعليم الكبار. أما هجرته إلى فلسطين، فقد كانت عام 1938 حيث جرت محاولة لتعيينه أستاذاً للدراسات الدينية. ولكن المؤسسة الأرثوذكسية عارضت ذلك بشدة لأن بوبر، حسب تعريفها، لا يؤمن باليهودية، ومن ثم تم تعيينه أستاذاً للدراسات الاجتماعية في الجامعة حيث شغل المنصب حتى عام 1951. صدر أول كتب بوبر بالعبرية، وهو العقيدة النبوية، عام 1942، وقد طرح بوبر في هذا الكتاب أن وجود الإرادة الإلهية حقيقي تماماً مثل وجود يسرائيل، وهو ما يعني المساواة بين الخالق (الإله) والمخلوق (الشعب) . كما صدر له كتاب موسى عام 1941. أما عام 1949، فقد شهد نشر كتابه طرق اليوتوبيا، وهو كتاب عن تطوُّر الاشتراكية الطوباوية. وتبع ذلك نشر كتابيه نوعان من الإيمان (1951) ، وخوف الإله (1953) ، ويقارن الكتاب الأول بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي. أما الثاني، وهو آخر أعمال بوبر المهمة، فيذهب فيه إلى أن الإله لم يمت أو أنه احتجب وحسب! أسَّس بوبر كلية لتعليم الكبار لإعداد المعلمين من بين المهاجرين، وهي جزء من محاولة المُستوطَن الصهيوني دمج المهاجرين الجدد، وخصوصاً من البلاد الإسلامية، في نسيج المستوطن الصهيوني. وكان بوبر أول رئيس لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية في إسرائيل. وقد أسس بوبر مع يهودا ماجنيس جماعة إيحود التي كانت تطالب بإقامة دولة صهيونية مزدوجة القومية. لكنه تعرَّض لانتقاد شديد في بعض الأوساط اليهودية لقبوله تسلم جائزة جوته من مدينة هامبورج ولاستئناف علاقته بالحياة الفكرية والثقافية الألمانية (مع العلم أن هذا الموقف لا يتناقض البتة مع منطلقاته الفكرية) . وقد منحه مجلس ناشري الكتب في ألمانيا جائزة السلام عام 1953 واستقبله رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية باعتباره واحداً من مفكري ألمانيا وفلاسفتها العائدين إلى وطنهم! ومصادر الفكر الديني والفلسفي السياسي عند بوبر ألمانية (مسيحية علمانية) . فقد تأثر بالمتصوفين المسيحيين الألمان مايستر إيكهارت وجيكوب بيمه Jacob Boehme، كما تأثر برؤية وحدة الوجود التي طرحاها وبإيمانهما الكامل بأن الإنسان يمكنه أن يعود إلى التوازن من خلال الحدس والاستماع لصوت التجربة الداخلية والتوحد بالخالق. وقد تأثر كذلك بالفكر الرومانسي الألماني، وخصوصاً فكر فخته الذي أكد الحدس على حساب التأمل وميَّز بين الجماعة المترابطة بشكل عضوي (جماينشافت) والجماعة المترابطة بشكل آلي (جيسيلشافت) ، وأعلى من أهمية الشعب العضوي (فولك) . ويُعَدُّ نيتشه من أهم المفكرين الألمان الذين أثروا في بوبر، شأنه في هذا شأن معظم المفكرين اليهود والصهاينة في ذلك الوقت، فتعلَّم من نيتشه فكرة الإرادة المستقلة عن أي حدود وظروف، والإيمان بأهمية الفعل الغريزي المباشر مقابل التأمل والتدبير، والالتزام بالمتعيِّن والمحسوس على حساب المجرد، وتأكيد الحياة والغريزة في مواجهة القيم التقليدية والمثاليات المجردة التي تخنق الحياة والغريزة. وقد عمَّق جوستاف لانداور (1869 ـ 1919) تأثير فخته وفكرة الشعب العضوي والجماعة العضوية وربطهما بالفكر الاشتراكي أو الجماعية بل بالاتجاهات الصوفية الحلولية، وبهذا يكون لانداور قد ربط بين كل المكونات في النسق الفكري عند بوبر. وإلى جانب المصادر الألمانية، تأثَّر بوبر، شأنه شأن كثير من المفكرين الغربيين الوجوديين، بدوستويفسكي، وخصوصاً في إحساسه بغربة الإنسان في عالم خال من المعنى. كما تأثَّر بكيركجارد، الأب الروحي للوجودية الحديثة، الذي أكد أن العلاقة الحقة بين الإله والإنسان لابد أن تكون مباشرة ودون وسطاء، وطالب الإنسان بأن يصبح شخصاً واحداً كلياً فريداً. ويُلاحَظ أن المصادر الفكرية (الدينية والفلسفية) عند بوبر معظمها غير يهودية. لقد ظل بوبر، طيلة حياته، يجد الدراسات التلمودية جافة وعقيمة. وقد اكتشف الحسيدية باعتبارها تجربة صوفية وتعبيراً عن الصوت الداخلي من خلال مصادره الألمانية المسيحية الصوفية. وفكر بوبر الديني والسياسي فكر حلولي متطرف تتلاقى فيه وحدة الوجود الروحية بوحدة الوجود المادية، فيصبح الإله والإنسان والطبيعة كلاًّ عضوياً واحداً. وتتجلى هذه الرؤية الحلولية في فلسفة الحوار التي تشكل أساس الفكرة الدينية في فكرة الشعب العضوي (فولك) التي تشمل أساس فكره السياسي والاجتماعي، ففكره السياسي هو نفسه فكره الديني، وفكره الديني هو نفسه فكره السياسي، وهذا أمر متوقع داخل منظومة فكرية لا تفرق بين الإله والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة، أو بين هذا العالم والعالم الآخر، أو بين التاريخ والوحي، أو بين القومية والدين. تَصدُر فلسفة الأنا والأنت الحوارية عن رؤية حلولية تتساوى فيها كل العناصر الإنسانية ثم الإلهية، فالإله هنا ليس له وجود حقيقي مستقل متجاوز للطبيعة والتاريخ وإنما هو قوة كامنة في الأشياء ودافعة لها (ومن هنا أهمية الحوار الشفوي، وتفضيله على النص المكتوب. فالحوار الشفوي، مثل الشريعة الشفوية في اليهودية، تفتح المجال على مصراعيه لعمليات التأويل الباطنية حيث يفرض المُفسِّر المعنى الذي يروق له. أما النص المكتوب فهو لا يعطي كلمة وحسب وإنما يعطي سياقاً وكلاًّ دلالياً يحدد المعنى) . والإنسان بدوره شريك للإله في عملية خلاص الكون. وحسب هذه الفلسفة، تأخذ العلاقة السوية بين الإنسان وأخيه الإنسان شكل حوار، وهو حوار حقيقي إن كانت أطراف الحوار متساوية بحيث يجد كل طرف نفسه في الآخر، وهذا الحوار حوار حقيقي إن كان بين الأنا والأنت أو بين ذاتين لهما أهمية واحدة. ولكن الحوار يصبح زائفاً حينما يصبح أحد طرفيه أقوى من الآخر، فيحوِّل محاوره إلى موضوع أو أداة أو مجرد شيء يستخدمه ويستغله ويحوسله لينفذ به أغراضه، وفي هذه الحالة يتحول الحوار إلى علاقة بين الأنا والأنت والهو (أو بين الذات والموضوع) ، وهي علاقة قد تثمر معرفة علمية موضوعية قد تكون مفيدة في حد ذاتها ولكنها ليست كافية ولا تغنينا بأية حال عن علاقة أنا/أنت الأساسية (ومع هذا يرى بوبر أن ثمة صلة جدلية بين العلاقتين أنا/أنت وأنا/هو) . وتتَّسم علاقتنا بالإله بالحلولية الحوارية نفسها، فالإله هو ما يسميه بوبر «الأنت الأزلي» ، وهو كيان لا يمكننا أن نصل إليه من خلال التأمل الميتافيزيقي المجرد (أنا/هو) ، وإنما من خلال علاقة حية تشبه علاقة أنا/أنت، ولذا فيجب أن أتحاور مع الإله بكل كياني ويجب أن أصغي إلى الإله، وأن أعرف ماذا يريد مني. وحيث إن كل حوار لابد أن يؤدي إلى فعل، فالإله سيكشف لي أمره في لحظة الفعل، وسيكشفه لي أنا وحدي. و «الأنت الأزلي» لا يوجد خارج الإنسان وإنما يوجد في كل «أنت إنساني» ، وهو مصدر تَعيُّنه. ولذا يكون لزاماً على الإنسان أن يدخل في حوار دائم مع الإله ليحتفظ بتَعيُّنه وهويته المتميزة عن طريق ما يوحى إليه به. والوحي عند بوبر ليس شيئاً حدث في الزمان الغابر والماضي السحيق، وإنما هو شيء متكرر يحدث دائماً و «الآن» و «هنا» . فيحل الإله في التاريخ حلولاً دائماً، وتصبح الأحداث التاريخية النسبية أحداثاً مقدَّسة. يستخدم بوبر في هذا الجزء من فلسفته خطاباً حلولياً عاماً ينطبق على الوضع الإنساني بأسره. ولكنه، حين يتجه إلى الموضوع اليهودي، يُضيِّق نطاق الحلولية تماماً. فبرغم المساواة الحلولية المبدئية التي انطلق منها، فإن القداسة لا تعبِّر عن نفسها في جميع الأحوال بدرجة واحدة. ولذا، فقد يتم الحوار بين الإله والفرد في حالة البشر العاديين، أما في حالة الشعب اليهودي فإن الحوار يتم بين الشعب ككل والإله من الجهة الأخرى. كما أن الحوار الخاص الدائر بين إسرائيل والإله يأخذ شكل العهد، فالإله (الأنت الأزلي) يطلب من الأمة اليهودية (الأنا الأزلي) أن تصبح أمة مقدَّسة؛ مملكة من الكهنة الإله هو ملكها الوحيد. والمجتمع الديني اليهودي، حسب تصوُّر بوبر، لا يمكنه العيش بدون قومية، ولكن القومية اليهودية ليست قومية عادية (على عكس القوميات الأخرى) ، ولذا فإنها لا تستطيع العيش بدون دين، فالدين والقومية في حالة اليهود متزاوجان ملتحمان (كما هو الحال دائماً في المنظومة الحلولية) . وإذا كان هناك (بالنسبة للأغيار) فارق بين التاريخ النسبي والوحي المطلق (بمعنى أن القداسة الإلهية تظل بمعزل عن تاريخ الأغيار) ، فإن الوضع مختلف تماماً في حالة التاريخ اليهودي إذ يحل الإله فيه، ومن ثم يصبح التداخل بين المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس والأزلي والزمني كاملاً. ومن خلال هذه الصيغة تمت صهينة الدين اليهودي وعلمنته، كما تمت صهينة وضع الجماعات اليهودية ليصبح بذلك شكلاً من أشكال التعبير عن القومية العضوية، أي أن الدين يصبح فولكلور الشعب العضوي (فولك) ، ويصبح اليهود لا مجرد أعضاء أقليات ينتمون إلى الأوطان التي يوجدون فيها وإنما يصبحون شعباً عضوياً مقدَّساً منفصلاً. وهنا يجب أن نتذكر أن بوبر كان يؤيد رأي فخته في أن التجربة القومية في العصر الحديث تنجز ما كانت تنجزه التجربة الدينية في الماضي، فهي تجعل العنصر الإلهي يسري في الحياة اليومية. وعند هذه النقطة التي يتحول فيها الدين إلى فلكلور، والجماعات اليهودية إلى شعب مقدَّس، يمكننا أن نتناول الفكر السياسي القومي عند بوبر ورؤيته الصهيونية. ويُلاحَظ أن المراجع الصهيونية الغربية عموماً تحرص على إخفاء هذا الجانب من منظومته المعرفية لأسباب مفهومة، وإن أشارت لها فهي تعرض لها من خلال ديباجات صوفية لا تكشف عن التضمينات الوثنية والنازية والعنصرية الكامنة في فكره. وقد لاحظنا أن القداسة تحل في الشعب وتاريخه. ولكن، كما هو الحال مع المنظومات الحلولية، لابد أن تشمل القداسة الأرض أيضاً (أو الطبيعة) حتى يتحقق الثالوث ويحل الإله أو القداسة في الشعب اليهودي وفي أرضه اليهودية المقدَّسة بحيث يرتبط الإله بالشعب بالأرض ارتباطاً حلولياً عضوياً. ولكن فكرة الإله تَضمُر وتتراجع بحيث يتحول الإله إلى الرابطة العضوية المقدَّسة بين الشعب (الدم) والأرض (التربة) . عند هذه النقطة نكون قد وصلنا في واقع الأمر إلى وحدة الوجود المادية وعالم الحلولية بدون إله؛ عالم النازية ومعسكرات الإبادة والدولة الحديثة التي تدَّعي المطلقية لنفسها فتضم الأراضي وتقضي على الملايين. إن مفهوم بوبر لوضع اليهود واليهودية لا ينبع من أي فكر ديني وإنما من مفهوم الشعب العضوي (الوثني) . وقد بيَّن بوبر في محاضراته عن اليهودية التي ألقاها في الفترة 1909 ـ 1918، والتي تركت أعمق الأثر في الشباب اليهودي في وسط أوربا، أن ثمة عنصرين ماديين هما أهم مكونات القومية اليهودية، أولهما الدم (أي العرْق والخصائص البيولوجية المتوارثة) الذي صنفه باعتباره أعمق مستويات الوجود الإنساني، وثانيهما البنية أو الطبيعة أو التربة، وهو أهم عنصر في تشكيل الذات القومية، وهما معاً يشكلان الوعي القومي اليهودي (ومن ثم الحس الديني) أو الإحساس الغريزي المباشر لدى اليهود، والذي يتجاوز العناصر الاجتماعية والسياسية كافة، والذي لا علاقة له بأي إله متجاوز. ويجب أن نتذكر أن هذا الخطاب العرْقي النيتشوي كان الخطاب السائد في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في ألمانيا التي نشأ فيها بوبر وتَشَّرب ثقافتها، فهو ابن عصره وبلده. وقد كانت الدراسات الألمانية التي تَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي تؤكد عدم تَجذُّر اليهود في وطن قومي، وأنهم بدو رُحَّل في صحراء جرداء، ومن ثم فهم شعب مجدب على عكس الألمان المتجذرين في أرضهم ومن ثم يتمتعون بالصحة النفسية والجسمانية وتعبِّر شخصياتهم المبدعة عن الغابات الألمانية المورقة الخضراء التي يلفها الغموض. لم يرفض بوبر هذه المفاهيم الوثنية الحلولية الحيوية أو العضوية بل دافع عن الشعب العضوي اليهودي انطلاقاً منها. ولذا، فإنه يؤكد أن اليهود لم يكونوا دائماً بدواً رحلاً لا أرض لهم بل كانوا في المراحل الأولى من تاريخهم شعباً زراعياً ملتصقين بالطبيعة ومرتبطين بأرضهم لا يختلفون عن الشعب العضوي الألماني، ولذا فإن بوسعهم أن يصبحوا مرة أخرى في خصوبة وإبداع الشعب الألماني. ويعترف بوبر بأن التماسك الداخلي للروح اليهودية (أي الغريزة الطبيعية) قد ضعف بسبب البعد عن الأرض، وهم يعيشون تحت سماء ليست سماءهم وعلى أرض ليست أرضهم. بل إن بوبر يجعل مسألة الارتباط بالتربة النموذج التفسيري الأكبر في نسقه الفكري وفي قراءته لتاريخ اليهودية. وعلى هذا، فإن اليهود بسبب بعدهم عن أرضهم أجدبوا دينياً، وبدلاً من الوحدة الصوفية العضوية (أي الحلولية) ، وبدلاً من التجذر في الأرض، ضربوا بجذورهم في الشريعة والشعائر والعقائد، ومن ثم تجمدت عقيدتهم الدينية أي أن البُعد عن الأرض (لا الشريعة) هو السبب في أزمة اليهودي، والتمسك بالشريعة هو تعبير عن هذه الأزمة. ولكن، رغم هذا، ظلت شخصية اليهود كما هي شخصية شرقية آسيوية برانية تفضل الفعل والحركة على التوجه إلى داخل الذات والتأمل والانشغال بالإدراك. بل إن النزعة المشيحانية إن هي إلا تعبير عن هذه العبقرية الآسيوية وعن النزوع نحو الحركة. وشغف اليهود بالموسيقى إن هو إلا تعبير عن الخصائص البيولوجية نفسها، فالعنصر الأساسي في الموسيقى هو الزمن، والزمن يفترض الحركة (على عكس المكان الذي يفترض الثبات وعدم التحول) . ولنُلاحظ أن بوبر حوَّل اليهودية من نسق عقيدي ومجموعة من القيم إلى مجموعة من الخصائص البيولوجية، فاليهود لا يؤمنون بعقيدة وإنما هم جماعة يرتبطون برباط الدم. والواقع أن هذا التعريف لا يختلف من قريب أو بعيد عن التعريفات العرْقية المعادية لليهود والتي تفترض ثبات شخصيتهم رغم تَغيُّر الزمان والمكان (كما أنه لا يختلف في بعض جوانبه عن تعريف الشريعة لليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية) . وسنلاحظ كذلك أن فكر بوبر إن هو إلا تطبيق لفكره الغربي العرْقي على يهود اليديشية. فالشرق إن هو إلا شرق أوربا (وآسيا هي بولندا) ، ومن المعروف أن التعبير الفني الأساسي عند يهود اليديشية كان الغناء والرقص. ماذا سيفعل هذا الشعب الآسيوي في أوربا؟ عند هذه النقطة نجد أن ملامح الحل الصهيوني النازي العضوي الحلولي قد اكتملت، إذ يكتشف بوبر أن ثمة علاقة وثيقة بين الشعبين العضويين الألماني واليهودي. فالألمان هم الشعب العضوي الذي سيقود العالم ويسد الفجوة بين الشرق والغرب لأنه أقرب الشعوب الغربية إلى الشرق (ولا يبيِّن بوبر قط الأسباب التي قادته إلى استخلاص هذه النتيجة) . إن الألمان عندهم مهارات الغرب ولكنهم لم ينسوا قط حكمة الشرق. كما أن الألمان أكثر الشعوب تأثيراً في اليهود (وبوبر نفسه شاهد على ذلك، كما أن اللغة اليديشية لغة معظم يهود العالم آنذاك شاهد قوي آخر) . بل يذهب بوبر إلى أن الألمان أكثر الشعوب تأثراً باليهودية من خلال العهد القديم (الذي ترجمه لوثر ترجمة ممتازة وحوَّله إلى أهم عمل كلاسيكي في اللغة الألمانية) ومن خلال مجموعة من العبقريات اليهودية مثل إسبينوزا ولاسال وماركس. وبعد تأكيد هذه العلاقة بين الألمان اليهود، يتحول بوبر نحو اليهود ليكتشف الحسيدية باعتبارها أهم تجسيد للشخصية اليهودية الآسيوية أو الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) التي تنظم حياتها ووجودها حول أسطورة مقدَّسة لا يشاركها فيها أحد. ومن ثم، فإن الحسيدية، حسب تصوُّر بوبر، استمرار لتقاليد الثورة في اليهودية: تقاليد الأسينيين والأنبياء التي ترفض الالتزام بالقانون والشريعة وتُعلي من شأن الفعل المباشر والغريزي. والحسيدية حركة متصوفة لا تبتعد عن الدنيا، وإنما تقترب منها، ولذا فهي تصوُّف يترجم نفسه إلى فعل، أي أنها ترجمة لتلاقي وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية. وقد تَغنَّى بوبر بالقائد المحرر والقائد الفنان الذي سيعلم الفولك، ووجد ضالته في التساديك الحسيدي فهو قيادة كاريزمية يدين له أتباعه بالولاء بدون نقاش، تماماً مثلما كان النازيون يدينون للفوهرر، قيادتهم الكاريزمية (ولنُلاحظ أن الأنا والأنت التي كانت تستند إلى علاقة حب، أصبحت هنا تستند إلى علاقة القوة؛ العلاقة الوحيدة الممكنة في المنظومة النيتشوية) . عند هذه الصورة يمكن القول بأن ملامح المجتمع الصهيوني قد اكتملت: جماعة عضوية تجسد القداسة تعيش بطريقة جماعية، ولكن جماعيتها لا تنبع من الفكر الاشتراكي السياسي وإنما من التماسك العضوي الحلولي. ويذهب بوبر إلى ضرورة عودة اليهود إلى صهيون ليؤسسوا مجتمعاً مثالياً مقدَّساً تتداخل فيه القومية والدين، والدين والقومية، والأزلية والزمن، والزمن والأزلية. وتمازُج الديني والقومي والمطلق والنسبي هو أساس نقده لكل من هرتزل والحسيدية، فهرتزل كان ينوي تأسيس مجتمع صهيوني سياسي لحل المسألة اليهودية في وجهيها السياسي والاقتصادي دون أن يتوجه إلى العناصر الأزلية في القومية اليهودية. أما الحسيدية، فرغم رؤيتها الحلولية التي تؤكد قداسة اليهود إلا أن العنصر القومي لم يكن واضحاً في الفكر الحسيدي، بل كانت علاقة الحسيديين بفلسطين علاقة عارضة، ولم تعبِّر عن نفسها في شكل رغبة في التحرر القومي، كما لم تترجم نفسها إلى تَطلُّع إلى أن يقرر الشعب اليهودي إرادته ومصيره في أرضه داخل جماعة مقدَّسة وقومية. وقد كان الحسيديون من دعاة (الروحية) ، وكان هرتزل من دعاة (المادية) ، على حين أن الوحدة المثلى من منظور إسبينوزا هي وحدة وجود واحدة (روحية مادية) تتجسد في المجتمع الصهيوني العضوي. ويرى بوبر أن هذا المجتمع لو تحقق، فسيصبح اليهود مرة أخرى أمة مقدَّسة تلعب دوراً أساسياً في الحضارة العالمية بسبب تاريخهم الفريد وشخصيتهم الفذة، إذ سيلتحم الوحي المقدَّس بالتاريخ مرة أخرى. والواقع أن أمة الكهنة والقديسين (العضوية الحلولية) التي تعمل على هدي الرؤى المشيحانية تزداد أهمية في القرن العشرين لأن الحضارة اليهودية حضارة غربية/شرقية. ولهذا، فبإمكانها أن تكون بمنزلة الجسر بين الحضارات والشعوب كافة. وفي كل هذا، يعود بوبر للرؤية اليهودية الحلولية القديمة الخاصة بمركزية اليهود في العالم والتاريخ (وهي مركزية عرْقية أضفتها الشعوب والديانات القديمة كافة على نفسها) . ودعنا نُلاحظ هنا أن فكرة الشعب العضوي فكرة حوارية في جوهرها، إذ أن الأنا اليهودي يتجاوز الأنت الإلهي، أو يمتزجان معاً. وبدلاً من أن يطيع الإنسان الإله ويمتثل لإرادته، يمتزج الإنسان بالإله بحيث يُطوِّع أحدهما الآخر وتصبح أفعال الشعب اليهودي تعبيراً عن وحي دائم، ويصبح صوت الشعب الصوت الداخلي الذي هو صوت الإله. لكن هذه الحوارية الدائرية العضوية الحلولية هي في جوهرها منطق استبعادي، فهي تعطي حقوقاً مطلقة لمن يوجد داخل دائرة القداسة وتهدر حقوق من يقع خارجها. وهي تستبعد، على سبيل المثال، الجماعات اليهودية خارج فلسطين حيث وصفهم بوبر، على طريقة بنسكر والنازيين، بأنهم مجموعة من الأشباح المشئومة الذين لا وطن لهم، ولذا فلا مكان لهم داخل المجتمع العضوي الجديد (وهذا يعني أنهم، باعتبارهم أشباحاً، محكوم عليهم بالموت، الأمر الذي تكفلت به النازية فيما بعد) . أما المجموعة الثانية التي تستبعدها القومية العضوية فهي العرب. وهنا نجد أن الموقف متناقض أكثر من كونه مركباً. وعلى سبيل المثال، فإن بوبر يرى، كما أسلفنا، أن التجربة الدينية الحقة تأخذ شكل حوار بين طرفين متعادلين، وهو تَعادُل ممكن بسبب حلول الخالق في المخلوق، واختلاط الوحي بالتاريخ، وهو ما يعني خَلْع القداسة على أفعال اليهود التاريخية، وخصوصاً أن تجربتهم الدينية جماعية (بينما نجد أن المسئولية الأخلاقية هي، في نهاية الأمر، مسئولية فردية) . وإذا أضفنا إلى هذا تلك الأفكار النيتشوية الخاصة بإعلاء الإرادة، والرابطة المطلقة بين الدم اليهودي والتربة الفلسطينية، فإن مصير العرب قد أصبح واضحاً وهو الطرد أو الإبادة. وهذا هو منطق الرؤية الحلولية. ولكن ثمة تياراً آخر في فلسفة بوبر، هو ما يمكن تسميته بالتيار الأخلاقي، لا ينبع من المنظومة الفكرية نفسها وإنما يضاف إليها بشكل آلي براني. ويحاول بوبر أن يربط عضوياً بين هذا التيار الأخلاقي ومنظومته الفكرية فينتقد المحاولات الصهيونية الرامية إلى تحويل اليهود إلى أمة مثل الأمم كافة تهدف إلى البقاء وحسب وتتسم بالأنانية والاعتداد الأجوف بالذات، مقابل ما يسميه «الإنسانية العبرية» : وهي التمسك بالقيم الأخلاقية اليهودية والإيمان بوحدة واحدة تفصل الصواب عن الخطأ والحقيقة عن الكذب فصلاً حاسماً، أي بضرورة الحكم على الحياة والسلوك السياسي من منظور أخلاقي. والواقع أن هذين التيارين المتناقضين (اللذين يسودان أيضاً في كتابات آحاد هعام) هما سر تَخبُّط بوبر في موقفه من العرب، فهو يكتب إلى غاندي مدافعاً عن الاستيلاء الصهيوني على الأرض الفلسطينية مستخدماً أسلوبه الحلولي الصوفي، إذ يبيِّن لغاندي أن حق العرب في الأرض ليس مطلقاً، فالأرض هي للإله يعيرها للفاتح الذي أقام عليها، ولكن الإله بانتظار ما سيفعل بها، فإن لم يفلحها هذا الفاتح فإن هذا ولا شك سيفتح المجال أمام المستوطنين الصهاينة في القرن العشرين. ولكل هذا نادى بوبر بالدولة اليهودية. ولكنه بعد عام 1948، بعد طَرْد العرب وتشريدهم، صرح بأنه لا يوجد أي شيء مشترك بينه وبين هؤلاء اليهود الذين يدافعون عما سماه «القومية اليهودية الأنانية» ، كما لم يتوقف عن الدفاع عن حقوق العرب والمطالبة بإنشاء دولة مزدوجة القومية تسمح للعرب والإسرائيليين بتحقيق ذاتيهما القوميتين. ولعل التناقض العميق في موقف بوبر يتضح بكل جلاء في أنه كان يدافع طول حياته عن حقوق العرب ويعيش في الوقت نفسه في بيت عربي جميل في القدس رفض أن يعيده لأصحابه. ولم تترك أفكار بوبر تأثيراً عميقاً في يهود شرق أوربا، كما لم تساهم في تحديد السياسات الصهيونية في الخارج أو في فلسطين قبل أو بعد إعلان الدولة. وقد تركت كتاباته أثراً عميقاً في اللاهوت المسيحي البروتستانتي. فرانز روزنزفايج (1886-1929 ( Franz Rosenzweig فيلسوف ألماني يهودي وُلد لأسرة يهودية مندمجة مُعلمَنة ولم يتلق أي تعليم ديني. كان على وشك أن يتنصر عام 1913، ولكنه غيَّر رأيه في آخر لحظة، ووجد أن بإمكانه التعبير عن تطلعاته الدينية من خلال اليهودية، فبقي في برلين حيث نشأت علاقة حميمة بينه وبين هرمان كوهين. قضى روزنزفايج معظم سنوات الحرب الأولى في الجيش الألماني حيث بدأ أهم أعماله التي تتناول الفكر الديني، وهو كتاب نجمة الخلاص الذي نُشر عام 1921. وقد ازداد اهتمام روزنزفايج بالتعليم اليهودي، فأسس مدرسة في فرانكفورت تهدف إلى تعليم اليهود المندمجين الهامشيين الباحثين عن جذورهم الدينية. وقد جذبت المدرسة مجموعة من الشبان الذين أصبحوا من كبار المفكرين اليهود فيما بعد، مثل: جيرشوم شوليم، وليو ستراوس، وإريك فروم. وقد أصيب روزنزفايج بشلل في أواخر حياته، ولكنه استمر مع هذا في التأليف، فكتب مجموعة من المقالات المهمة وترجم قصائد يهودا اللاوي وعلَّق عليها، وبدأ مع مارتن بوبر في إعداد ترجمة جديدة للكتاب المقدَّس بالألمانية. وإذا كان هرمان كوهين يشبه موسى بن ميمون، فإن روزنزفايج يشبه يهودا اللاوي. فكتابه نجمة الخلاص ليس مجرد كتاب في الفلسفة، وإنما هو رحلة روحية من الفلسفة إلى اللاهوت. ويتوجه روزنزفايج بالنقد إلى الفلسفة لمحاولتها رد العالم إلى جوهر واحد مثل الوعي على وجه العموم، فهذا يتنافى مع التجربة المتعينة للإنسان، وكل ما تستطيع الفلسفة أن تنجزه هو إدراك ثلاثة جواهر مستقلة منفصلة: العالم والإنسان والخالق، لكلٍّ طبيعته الخاصة. وكل جوهر عقلاني يشكل جزءاً ومعطى لا يمكن رده إلى شيء خارجه. هذه الجواهر هي «ما قبل العالم» ، ولابد أن تنشأ علاقة فيما بينها استناداً إلى مفاهيم تُستجلَب من خارج عالم التأمل العقلاني. وهذا ما يقوم به اللاهوت الذي يكمل الفلسفة، فهو الذي يُوجد الصلة بين أجزاء العالم والإنسان والخالق المختلفة من خلال الوقائع المعجزة العجائبية الثلاث: الخلق، والوحي، والخلاص. ويرى روزنزفايج أن العلاقة بين الخالق والعالم (الخلق) ، وبين الخالق والإنسان (الوحي) ، وبين الإنسان والعالم (الخلاص) هي إمكانات موجودة دائماً. وأهم أبعاد الوجود أو عناصره هو الوحي، فمن خلاله يخاطب الخالق الإنسان في لحظات الحب، فيهدم الحواجز التي تسبب عزلة الإنسان ووحدته. وكل ما يعطيه الخالق للإنسان هو الحضور، ولكن تجربة الحب الإلهي تأخذ شكل أمر بأن يحبه الإنسان في المقابل. والعنصر الثاني (الخلق) يعني اعتماد كل الكائنات في هذا العالم على القوة الحية للخالق. أما العنصر الثالث (الخلاص) فيعني أن يتوجه من يشعر بالوحي نحو الآخر، ومن خلال الخلاص تتبدد العزلة التي تفرق بين البشر، فمن حب الخالق للإنسان يظهر حب الإنسان لأخيه الإنسان لأن الإنسان من خَلْق الإله. ومسار التاريخ تعبير عن أن الخلاص يتخلل العالم من خلال أفعال الحب حتى تشيع الروح في الدنيا ويتم توحيد العالم والإنسان والخالق. ويُلاحَظ أن روزنزفايج يقترب هنا من القبَّالاه اللوريانية بحلوليتها التي من خلالها تصبح عملية الخلاص عملية كونية تشمل العالم والإنسان، وهي هنا تأخذ شكل نجمة داود (نجمة الخلاص (. وقد قيل عن رؤية روزنزفايج إنها رؤية وجودية، لأنها تؤكد أهمية التجربة المتعينة التي لا يمكن أن تُرد إلى أي شيء خارجها وترى أن الفلسفة لابد أن تبدأ في تجربة بشرية فردية محدَّدة؛ في الوجود لا الماهية. ويؤكد روزنزفايج أيضاً أن التجربة متجذِّرة في موقف المفكر الفردي المتعيِّن، وأن ما يُهم الإنسان ليس الأفكار الفلسفية المجردة وإنما القناعات التي لا يمكن البرهنة عليها إلا من خلال الحياة الحقيقية. وقد انعكس هذا الموقف الوجودي على رؤيته للشعائر اليهودية، فإذا كان أساس الوحي هو حب الإله للإنسان فإن مضمونه هو الوصايا، ولابد أن يبادل الإنسان الإله المحبة بأن يعمل بوصاياه. والوصايا ليست قوانين، لأن القوانين (الشريعة) أساسها القسر، فهي ليست مجرد مبادئ فلسفية، وقد عاشت الوصايا في ضمير الإنسان تجربة خاصة تَواصَل من خلالها الإنسان والخالق. ومن هنا، فقد أصر روزنزفايج على ضرورة أن يشعر الإنسان بالقانون داخله بحيث يتحول القانون إلى وصية. ووفقاً لروزنزفايج، فإن اليهودية والمسيحية) كلتيهما) جماعتان دينيتان لكل أصالتها، وهما تشكلان قناتين تصب من خلالهما الأزلية في مجرى الزمان. لكن اليهودية هي الحياة الأزلية والمسيحية هي الطريق الأزلي. وفي التقويم اليهودي الديني، وكذلك صلوات اليهود، يُحَتفى بإيقاع الخلق - الوحي - الخلاص، وهو ما يؤدي إلى وضع اليهود خارج التاريخ. فثمة قناة توصل بين اليهود والإله مباشرةً، ولذا فإن الوجود اليهودي يُبشر بخلاص الجميع (وهنا نشعر مرة أخرى بأثر القبَّالاه اللوريانية) . كما أن الأرض اليهودية المقدَّسة، واللغة اليهودية المقدَّسة، والتوراة المقدَّسة، منفصلة عن تتالي الزمان. وكذلك، فإن اليهودي يدخل الميثاق مع الرب بالمولد، ولذا فإن استمرار اليهودية لا يتوقف على تَهوُّد الأغيار، فمهمة اليهود أن «يكونوا يهوداً» لا أن يبشروا باليهودية. فكأن اليهودية خاصية أنطولوجية لصيقة بالجوهر اليهودي، وهذا أمر مستحيل إلا في إطار حلولي. أما المسيحية فتقف على طرف النقيض من ذلك، فهي دائماً «في الطريق» المؤدي من مجيء المسيح في المرة الأولى إلى مجيئه مرة ثانية. وهي ذات طبيعة مختلفة ودور تاريخي مختلف. فكل مسيحي ينتقل من حالة الطبيعة والوثنية إلى المسيحية من خلال الإيمان الديني والتعميد (لا المولد) ، ومن ثم فإن التبشير مسألة أساسية بالنسبة للمسيحية (وهي مسألة مستحيلة داخل الإطار الحلولي اليهودي) . وكما يُلاحظ روزنزفايج أيضاً، فإن المسيحي يحتاج إلى وسيط ليدخل في علاقة مع الإله أما اليهودي فلا يحتاج إلى مثل هذه الوساطة. وإذا أردنا تفسير هذه الفكرة باستخدام نموذج الحلولية، فيمكننا أن نقول إن الشعب اليهودي جزء من الإله بسبب الحلول الإلهي فيه، ولذا فهو شعب مقدَّس بطبيعته، لا يحتاج إلى وسيط. أما المسيحي فهو من البشر العاديين، خال من القداسة ويتطلع إليها، ولذا فهو يحتاج إلى كهنوت تتركز فيه القداسة ليكون بمنزلة الطريق بين الخالق والمخلوق. ومما يجدر ذكره، أن روزنزفايج يختلف هنا عن كثير من المفكرين الدينيين اليهود مثل: هرمان كوهين، وليوبايك اللذين كانا يعقدان المقارنة بين الديانتين ليبيِّنا مدى التقارب بينهما. أما روزنزفايج، فيعنى بإبراز أوجه الخلافات العقائدية والوجودية بينهما. وتأكيد تفرُّد اليهودي في علاقته مع الخالق، ووجود اليهود خارج التاريخ، وهي أبعاد أساسية في بنية الفكر الحلولي والصهيوني. ومع هذا، رفض روزنزفايج الصهيونية لأنها تقوض دعائم الطبيعة الروحية غير السياسية للشعب اليهودي، أي أنها تقوض تفرُّده، كما أنها تجعل الخلاص مسألة سياسية لا قضية أخروية. وعلى عكس الصهاينة، يؤمن روزنزفايج بأن شتات اليهود أمر ضروري لتطور الشعب اليهودي في المستقبل. وقد وقف روزنزفايج موقف المعارض من كل من اليهودية الأرثوذكسية واليهودية الإصلاحية، فالأولى حَوَّلت العقيدة اليهودية إلى قشرة شعائرية خارجية خالية من المعنى، أما الثانية فأسقطت كثيراً من الجوانب الأساسية في العقيدة اليهودية حتى تقربها من المسيحية البروتستانتية، ومن ثم أفقدت اليهودية ما يميِّزها. إيمانويل لفيناس (1905-1996 ( Emanuelle Levinas فيلسوف فرنسي يهودي. وُلد في ليتوانيا ودرس الروسية والعبرية في ليتوانيا ثم درس في جامعة ستراسبورج التي كان يُعلِّم فيها كلٌّ من هوسرل ومارتن هايدجر. درَّس في دار المعلمين اليهودية الشرقية في باريس ثم في جامعات فرنسية أخرى. ومصادر فكر لفيناس عديدة، فقد تأثر بأعمال أفلاطون وكانط وبرجسون. وقد ترك الأدباء الروس مثل بوشكين وجوجول أثراً عميقاً فيه. ولكنه كان يرى أن أعمقهم أثراً فيه دوستويفسكي، وخصوصاً رؤيته للمسئولية نحو الآخر. ولكن المصدر الأساسي لفكره أعمال هوسرل الفلسفية، وقد كتب رسالته للدكتوراه عن نظريته في الحدس (صدرت في كتاب عام 1930) ، وكان من أوائل المفكرين الذين عرَّفوا القُراء الفرنسيين بهايدجر. ولا شك في أن دراسته للتلمود ولأعمال بوبر وروزنزفايج ساهمت في صياغة وجدانه. ينتمي لفيناس إلى هذا الجيل من الفلاسفة الذين يمكن أن يُطلَق عليهم اسم «الفلاسفة غير الفلسفيين» . وهم مجموعة من الفلاسفة الذين يرفضون الميتافيزيقا بمعناها التقليدي ويثيرون الأسئلة التي يتصورون أن الفلسفة الغربية التقليدية استبعدتها. ويقف هؤلاء الفلاسفة ضد المشروع الفلسفي الغربي برمته «من طاليس لهيجل» ، وهو مشروع يهدف (حسب تصورهم) إلى معرفة كل شيء وإدخال كل الظواهر في حلقة المعرفة والسببية. وهذا المشروع يودي بالذات الإنسانية الفردية من خلال هيمنة الموضوع المادي المجرد (الأشياء والحقائق المادية والموضوعية) أو هيمنة الموضوع الروحي المجرد (حتمية التاريخ وعالم الماهيات والجواهر والروح المطلقة) . ويصل هذا المشروع إلى ذروته في المنظومة الهيجلية بشموليتها الصارمة، حيث يترادف الفكر مع الطبيعة مع التاريخ، وحيث لا يفلت شيء من نطاقها. كما ترجم هذا المشروع نفسه إلى مدارس فلسفية مختلفة، مثل الوضعية والبنيوية، تبدو كما لو كانت متناقضة ولكنها في واقع الأمر تتسم جميعاً بالنزوع نحو الكلية والشمول والرغبة في إدخال كل الظواهر داخل نطاق السببية. وقد هاجم لفيناس هذه الهيجلية في سياق هجومه على البنيوية التي وصفها بأنها «انتصار العقل النظري» ، ولذا فهي تتسم بعدم الاكتراث والحياد والهجوم على الذات الإنسانية. ويمكن القول بأن هذا هو الموضوع الأساسي في فلسفة لفيناس: كيف يمكن أن ندرك الجزء المتعيِّن (الموجود) وندرك الكل المجرد (الوجود) دون أن يُستوعَب الجزء في الكل ودون أن تذوب الموجودات المختلفة في الوجود. ويرى لفيناس أن هذه هي المشكلة الأساسية عند هايدجر، فقد أعطى أولوية للوجود على الموجودات، وهو ما يعني أن الوجود أكثر جوهرية من الموجودات، بل يعني أيضاً أن الموجود لا تتحدد علاقته بالآخر إلا من خلال فكرة الوجود المجردة اللاشخصية. ونَقْد لفيناس لهايدجر لا يختلف كثيراً عن قول الوجوديين بأن الوجود يسبق الماهية، فالوجود في الخطاب الوجودي هو الموجود المتعيِّن، والماهية هي الوجود المجرد. وحتى نفهم فلسفة لفيناس، قد يكون من المفيد أن نعرض لتعريفه لمصطلحي «أنطولوجيا» و «ميتافيزيقا» . فالأنطولوجيا في تصوُّره هيجلية بطبيعتها، تَردُ الإنسان والموجودات المتعيِّنة والمتنوعة إلى الوجود المجرد أو إلى الكليات المتجاوزة للموجودات. ويضع لفيناس، مقابل هذا، الميتافيزيقا (حسب تعريفه) وهي ما لا يمكن التفكير فيه من خلال الأنطولوجيا. وهو تعريف سلبي غامض، ولكن لفيناس يوضحه حين يقول إن الميتافيزيقا هي التطلع نحو اللانهائي الذي لا يمكن أن يُرد إلى ما هو غيره والذي لا يذوب في أية كلية تاريخية كانت أم إلهية. والرغبة الميتافيزيقية الحقة والأصيلة هي رغبة في هذا الذي يفيض ولا يمكن أن يحيط به العقل، والذي يفلت من نطاق المنطق لأنه خارج نطاق الفكر. والفكر هنا يعني ما يلي: التوازن والتوازي بين الفكرة والشيء، وبين العقل والوجود ـ ما يمكن تمثيله وإلقاء الضوء عليه ـ ما يمكن معرفته. إن الميتافيزيقا في داخل هذا الإطار هي تَطلُّع نحو المطلق الحق، «ما ليس بوجود» (يسميه لفيناس «أذر ذان بيينج other than being» أو «أذروايز ذان بيينج otherwise than being» ) . وهو لهذا السبب لا يمكن استيعابه فيما هو غيره، أي أنه وحدة نهائية لا يمكن أن تُردُّ إلى وحدة أخرى سواء أكانت أعلى أم أدنى مرتبة منها. ويبيِّن لفيناس أن الميتافيزيقا (بالمعنى التقليدي) قد تقيم تمييزاً واضحاً بين الإنسان الفرد المتعيِّن (الموجود) والآخر (الفريد ـ المتعيِّن ـ الموجود أيضاً) ، ولكن التمييز مرحلي ومؤقت لأن الأنا والآخر في الإطار التقليدي ينحلان في نهاية الأمر في كيان واحد، ومن ثم فإن التحدد أو التعين الخارجي (بالإنجليزية: إكستيريوريتي exteriority) الذي يسم الآخرية الحقيقية يضيع ويختفي ويتم استيعاب الآخر في الكل المجرد. ولذا نجد، في الإطار التقليدي، أن الأنطولوجيا تسبق الميتافيزيقا، تماماً كما يسبق الكل المجرد الجزء المتعيِّن، وكما يسبق الوجود الموجودات. إن الميتافيزيقي الحقيقي (اللانهائي ـ ما ليس بوجود) يتحقق لا في الذات ولا في الموضوع. وهنا نود أن نشير إلى أن كثيراً من الفلسفات الغربية بعد نيتشه (الذي نسف تماماً ثنائية الذات والموضوع وتأكيد الذات على حساب الموضوع) تحاول أن تجد الحل لا في الذاتي ولا في الموضوعي، وإنما في نقطة تقع بينهما. هذه النقطة يمكن تسميتها بفلسفات «تيار الحياة» وهو مصطلح مشتق من ديموقريطوس ( «إرادة القوة» عند نيتشه ـ «وثبة الحياة» عند برجسون ـ «عالم الحياة» [ليبنزفلت] عند هوسرل وهابرماس) . والعبارات كلها تعني العالم المعاش والواقع الموضوعي كما تجربه الذات. وهو عادةً يشير إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع أو تذوب فيها الذات في الموضوع، ومن ثم فلا يوجد فيها لا ذات ولا موضوع، فهي نقطة صيرورة كمونية كاملة تفلت من قبضة الكل الشامل. تنتمي محاولة لفيناس لهذا التيار، وإن كان يحاول قدر استطاعته ألا يسقط في لحظة الذوبان هذه ويحتفظ بقدر معقول من التماسك والصلابة. ويتصور لفيناس أنه وجد ضالته في مفهوم الآخر والعلاقة معه. فالإنسان كموجود متعين يمكنه أن يتجاوز الوجود الكلي المجرد من خلال علاقة فريدة تجعله يخرج من ذاتيته الضيقة دون أن يفقدها ويدرك ذاتية الآخر باعتبارها ذاتية وموجوداً متعيِّناً لا يمكن أن يُرد إلى الوجود المجرد، فهي ذاتية موجودة فيما وراء الكل، ولذا ليس بإمكان الفكر (بالمعنى الذي حددناه من قبل) الإحاطة بها. وآخرية الآخر تتبدَّى بشكل خاص في وجهه، فالوجه هو التعبير عن التفرد وعن جوهر الآخر الإنساني الفردي، الكامن المتبدي. ومن ثم يضع لفيناس الوجه [الأصيل] ضد الواجهة [الزائفة] ، كما يضع الوجه الخاص مقابل نور الاستنارة العام. إن الإنسان حينما يدخل في علاقة ميتافيزيقية حقيقية مع الآخر فإنه سيكتشف أن هذا الوجه هو اللامتناهي وأنه سر، بل تجلٍّ إلهي، لا يستطيع الكل ابتلاعه. والآخر بهذا المعنى، يشبه الإله في كثير من صفاته. ويمكن القول بأن لفيناس، بمعنى من المعاني، ينتمي إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» الذي يتلخص في البحث عن منظومات معرفية وأخلاقية في عالم لا إله فيه، وإن كان لفيناس يؤكد أن غياب الإله لا يعني بالضرورة أنه غير موجود. ولأن الآخر هو اللامتناهي وهو الزمان اللامتعاقب الذي يقع خارج نطاق الوجود، فإن العلاقة مع الآخر تصبح هي الإسكاتولوجي (آخر الأيام) الذي يشكل انقطاعاً كاملاً وتحطيماً لأية كليات مجردة متجاوزة. ولكنه إسكاتولوجي لا علاقة له بالأديان السماوية، فلاهوت هذه الديانات خاضع للأنطولوجيا، وهو إن لم يؤد إلى الشمولية الكلية التاريخية (على الطريقة الهيجلية) فإنه يؤدي إلى الكلية الإلهية. والعلاقة مع الآخر، والوصول إلى آخريته الحقة، ليست التحاماً عاطفياً وإنما علاقة عادلة تؤدي إلى الإحساس بالالتزام والمسئولية، أي أن لفيناس قد ولَّد من مفهوم الآخر باعتباره اللامتناهي منظومة أخلاقية كاملة. والرغبة الميتافيزيقية الحقة نحو الآخر هي رغبة لا تتشوق للعودة، هذا يعني من منظور لفيناس أن هذه الرغبة الحقة تفترض أن على الإنسان أن يستبعد أن يكون معاصراً لإنجازاته، فعليه أن يعمل دون أن يدخل بالضرورة «أرض الميعاد» ، أي أن لفيناس، بضربة واحدة، يحل مشكلة الأخلاقيات في مجتمع علماني، فبدلاً من الأنانية والدفاع عن المصلحة الشخصية والرؤية الهوبزية الداروينية حيث يصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، يطرح لفيناس المواجهة مع الآخر وإدراكه بشكل ميتافيزيقي (غير أنطولوجي) باعتباره الحل الحقيقي للمشكلة الأخلاقية. فمن خلال مثل هذه المواجهة يمارس الإنسان إحساساً عميقاً بالمسئولية تجاه الآخر، أي من خلال إدراكه له ككيان متعيِّن متفرد له وجه فريد (ولا ندري كيف يمكن القفز بهذه البساطة من المنظومة المعرفية إلى المنظومة الأخلاقية ومن الإدراك إلى القيم) . ولتوضيح وجهة نظره، يقارن لفيناس بين إبراهيم ويوليسيس، فإبراهيم يغادر وطنه ويتجه نحو أرض مجهولة ولا ينوي العودة، أما يوليسيس فهو يتحرك دائماً نحو نقطة محددة. فإبراهيم مسافر دائم لا يهمه إن كان معاصراً لإنجازاته أم لا، أما يوليسيس فهو عائد دائم يصر على إنجاز السعادة في حياته! (ولكن هل يمكن تَصوُّر إبراهيم ـ المسافر الدائم هذا ــ بدون إله؟ إن لم يكن هناك إله وأمر إلهي فالسفر الدائم حماقة دائمة وحركة بلا معنى في المكان) . ويبدو أن الميتافيزيقا الحقة (حسب تعريف لفيناس) لا تولِّد أخلاقاً وحسب، وإنما هي نفسها الأخلاق. فلفيناس يُعرِّف الأخلاق بأنها سابقة على الأنطولوجيا (شأنها في هذا شأن الميتافيزيقا) وبأنها ليست مجرد قواعد وإنما هي العلاقة مع الأصل، بل هي نفسها الأصل الذي يسبق كل الأصول وهي القَبَلى والأولي a priori، هي «الميتا» في الميتافيزيقا، فهي الماوراء الحقيقي. وتُصنِّف الموسوعة اليهودية (الجودايكا) لفيناس باعتباره يهودياً بالمعنى الديني، بل تذهب إلى أنه يهودي أرثوذكسي. وهو أمر يصعب تفسيره إلا داخل إطار حلولي كموني، فالميتافيزيقا عند لفيناس تنبع من تأمل وجه الآخر اللانهائي الذي يتحدى الكل، أي أن البشري يقوم مقام الإلهي في هذه المنظومة. وكما هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية، تتساقط كل التمييزات وتضيق البانوراما لتتحول إلى وثنية شوفينية، الأمر الذي يتضح في خطاب لفيناس اليهودي، وهو خطاب يعطي لكل المصطلحات بُعداً يهودياً تماماً (شأنه في هذا شأن بوبر الذي يتكلم عن الأنا والأنت في الفلسفة الحوارية، ثم نكتشف أن اليهودي والشعب اليهودي [الأنا الأزلية!] يوجد في المركز ويدخل الإله في علاقة خاصة مع اليهود الذين يتحول تاريخهم إلى وحي، ويصبح الوحي بالنسبة لهم عقيدة9. يحاول لفيناس في فلسفته الدينية أن يميِّز بين العنصر الهيليني (يوليسيس) والعنصر اليهودي (العبري) (إبراهيم) . وهو يرى أن الخطاب الهيليني يميل دائماً نحو التجسد، والإيمان داخل الإطار الهيليني يأخذ شكل محاولة التواصل مع المتجسد (وهي محاولة جنونية في تَصوُّره) . أما الخطاب اليهودي (العبري) ، فهو شكل من أشكال الإيمان الناضج الذي يأخذ شكل علاقة بين أرواح من خلال وساطة الكتاب المقدَّس الذي يؤكد لنا وجود الإله بيننا دون تجسُّد. فالروحي الحقيقي نشعر به لا من خلال تجسده وإنما من خلال غيابه. ويقتبس لفيناس عبارة وردت في التلمود وهي «أن يحب اليهودي التوراة (الشريعة ـ القانون) أكثر من الإله» ، وهي عبارة تصدم الآذان التي تدور في إطار توحيدي ولكنها مفهومة تماماً داخل إطار حلولي. ورغم رفض لفيناس للتجسد، إلا أن الكتاب نفسه يكتسب أبعاداً تجسدية (تماماً كما أن العلاقة مع الآخر تكتسب كل أبعاد الإله) . وكما أن الآخر يحل محل الإله، في سياق فلسفة لفيناس العامة، فإن التوراة تحل محله في سياق فلسفته الدينية اليهودية. ويذهب لفيناس إلى أن الكتاب المقدَّس هدية وليس رسالة؛ هو دعوة للحوار وليس مجرد أطروحات. والهدية تتطلب من الآخر استجابة، أما الرسالة فهي غير شخصية (تشبه فكرة الكل المجرد) . والتوراة ليست هدية وحسب وإنما نص مفتوح يمكن تفسيره. وكما هو الحال في المنظومات الحلولية، يتراجع النص ليظهر المفسر الذي يفرض المعنى عليه. ولفيناس، بهذا، متسق تماماً مع تقاليد الشريعة الشفوية، أي التفسير الذي يُفترض أنه أُعطي لموسى عند سيناء مع الشريعة المكتوبة (التوراة) والذي توارثه الحاخامات المفسرون عبر التاريخ حتى أصبح تفسيرهم (التلمود) أكثر أهمية من التوراة وأكثر أهمية من الإله. وهكذا ترجح كفة الحاخامات على كفة الإله من خلال فكرة النص المفتوح. وماذا عن الشعب اليهودي؟ يشير لفيناس إلى قصة وردت في التلمود عن شخص طلب المغفرة من آخر ولكن هذا الأخير رفض طلبه لمدة ثلاثة عشر عاماً. يقول لفيناس في مجال شرح هذه الأمثولة: بإمكان اليهود أن يعفوا عن بعض الألمان ولكن هناك ألماناً من الصعب العفو عنهم (أي أن خطيئتهم مطلقة) . فمثلاً يصعب العفو عن هايدجر لأنه قَبل أن يعمل في وظيفة في الجامعات الألمانية أثناء حكم النازي ولم يُقر بذنبه، أي أن هناك آخرين: آخر يُقبَل وآخر يُرفَض. وقد بيَّن لفيناس أن الإحساس بالآخر لابد أن يترجم نفسه إلى إحساس عميق بالمسئولية تجاهه. ولكنه، مع هذا، يتحفظ على هذا بقوله إن الإنسان لابد أن يفضل الآخر القريب (الزوجة والابن) على الآخر الغريب، أي أن يفضل الآخر اليهودي على الآخر غير اليهودي (يتلاعب لفيناس بالكلمات العبرية: «أح» أي «أخ» و «آحر» أي «آخر» و «أحريوت» أي «المسئولية» - فكأن الآخر هو الأخ الذي يشعر الإنسان نحوه بالآخرية أي بالمسئولية) . وهذه طريقة مصقولة للغاية وحداثية (حيث إنها تتضمن لعباً بالألفاظ وبعلاقة الدال بالمدلول) للتعبير عن ثنائية اليهود أو الشعب المختار مقابل الآخر الآخر، أي الأغيار. وبالفعل، نجد أن الشعب اليهودي له مكانة خاصة في الكون، فهو شعب مختار. واختياره قد يعني مزيداً من المسئولية، ولكنه يحمل أيضاً معنى الانفصال والتميز (وهذا لا يختلف كثيراً عن الرؤية اليهودية الحلولية القديمة) . والواقع أن رؤية لفيناس حلولية، رغم كل حديثه عن الآخر. فالمواجهة بين الإله والإنسان (حسب قوله) مسألة مسيحية، أما بالنسبة لليهود فالمسألة لعب بين ثلاثة: أنا وأنت وطرف ثالث، هذا الطرف الثالث هو الإله المساوي للإنسان (اليهودي!) . داخل هذا الإطار، يبدأ لفيناس في اكتشاف خصوصية اليهودية وتميُّزها، فالإنسان الغربي يبحث عن الحرية حتى أصبح العصر الحديث عالماً لا قانون له، معادياً للإنسان، خالياً تماماً من المسئولية (أحريوت) . أما اليهودية، فهي على النقيض من ذلك، فالحرية فيها هي حرية صعبة المنال، فاليهودي يكتسب حريته بأن يعيش تحت نير الشريعة الذي يتطلب منه الإحساس بالمسئولية الأخلاقية والاجتماعية. واليهودية ـ حسب تصوُّره ـ تستند إلى استحالة رد الإنسان إلى ما هو دونه وتصر على تَفوُّق الإنسان على الكون (فاليهودية بهذا المعنى ديانة لا أنطولوجية، ديانة ميتافيزيقية أخلاقية حسب معجم لفيناس) . والإنسان اليهودي يكتشف الإنسان قبل الطبيعة، ويصل إلى فكرة الوجود حينما يرى وجه الإنسان العاري. ومن ثم، فإن اليهودية هي الإنسانية، والحرية التي تنادي بها هي حرية تستند إلى الإحساس بالمسئولية. ومرة أخرى، قد نتصور لوهلة أن الحديث هنا عن إنسانية رحبة، ولكن لفيناس يقول: إن اليهودية، هذه الأيديولوجيا المترادفة مع الإنسانية، لا تعني إنسانية روحية عامة وإنما هي إنسانية محددة تأخذ شكل أمة، واليهودية ليست أيديولوجيا مثالية تعيش بدون خطر وإنما هي مثالية تأخذ شكل دولة تجسِّد القيم الأخلاقية للأنبياء، فهي قدر ومسئولية الشعب اليهودي المختار، الذي يتبدَّى في الدولة الصهيونية التي تستند إلى الرغبة العارمة في البقاء وفي البدء من جديد بعد أن يسقط كل شيء. هذه الدولة تقف شاهداً على إرادة اليهود وعلى رغبتهم في أن يُعرِّضوا أنفسهم للخطر وأن يضحوا بأنفسهم ليضطلعوا بمسئوليتهم، أي أن الدولة الصهيونية تجسيد للحرية التي تستند إلى المسئولية. والحلم الصهيوني يَصدُر عن تَطلُّع مؤمن متجذر ثابت غير مُحتمَل يعود إلى مصادر الوحي نفسها، وهو صدى لأعلى التوقعات. وهكذا نعود للوثنية الحلولية القديمة، حيث تصبح الدولة (التي تقتل الأطفال ولا تكترث بالآخر الآخر) موضع الحلول الإلهي، بل تعود جذورها إلى الوحي الإلهي! وقد عرَّف لفيناس مهمته الفلسفية بأنها تعريف العصر الحديث بالتلمود، وأن هذا أيضاً هو جوهر الصهيونية، فهي الدولة التي تضطلع بهذه المهمة بشكل متعيِّن. ومن أهم مؤلفات لفيناس من الوجود إلى الموجود (1947) ، والزمان والآخر (1948) ، وفي اكتشاف الوجود مع هوسرل وهايدجر (1949) ، والكلي واللامتناهي (1961) ، وحرية صعبة (1963) ، وأربع محاضرات تلمودية (1968) ، والإنسانية والإنسان الآخر (1972) ، وما وراء الآية (1982) . شمويل تريجانو (1948 (– Shmouel Trigano عالم اجتماع ومفكر فرنسي يهودي، وُلد في الجزائر. وهو يحاضر في علم الاجتماع في جامعة مونبييه ورئيس مركز الدراسات اليهودية التابعة للأليانس، ويقوم بتحرير مجلة بارديس. ويُعَدُّ من أهم المفكرين الدينيين اليهود الجدد في فرنسا، وهو يرى أن ثمة إمكانية للعثور على حلول لمشاكل الصهيونية والجماعات اليهودية بالعودة لروح اليهودية السفاردية، وله دراسات عديدة من أهمها المسألة اليهودية الجديدة (1979) والجمهورية واليهود (1982) . |
|
في الفرنسية/ Innovation
في الانكليزية/ Innovation جدّد الشيء صيّره جديدا، والتجديد انشاء شيء جديد، أو تبديل شيء قديم، وهو مادي، كتجديد الملبس والمسكن، أو معنوي، كتجديد مناهج التفكير، وطرق التعليم. ويغلب على التجديد ان يكون مذموما في المجتمعات الزراعية الشديدة التمسك بتقاليدها، وان يكون محمودا في المجتمعات الصناعية التي تقدّس روح الاختراع. |
|
في الفرنسية/ Neo
في الانكليزية/ Neo الجديدة مؤنث الجديد وهي صفة بعض الفلسفات التي تحاول احياء بعض المذاهب القديمة على اسس جديدة، منها: الافلاطونية الجديدة ( pla- Neo tonisme) وهي مذهب مدرسة الاسكندرية التي تميّزت بنزعتها التوفيقية بين الآراء الفلسفية السابقة. والنقدية الجديدة (- criti- Neo cisme) وهي مذهب (رينوفيه)، و (بروشار) و (هاملن) المتصل بمذهب (كانت). والتوماوية الجديدة ( tho- Neo misme) وهي مذهب مدرسة (لوفان) البلجيكية. التي حاولت التوفيق بين فلسفة القديس توما الاكويني وبين نظريات العلم الحديث. والهيجلية الجديدة (- hege- Neo lianisme) وهي مذهب (غرين) و (ياردلى). والالماركية الجديدة ( la- Neo marckisme)، والداروينية الجديدة ( darwinsime- Neo) الخ. الخ. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّجْدِيدُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: جَدَّدَ، وَالْجَدِيدُ: خِلاَفُ الْقَدِيمِ. وَمِنْهُ: جَدَّدَ وُضُوءَهُ، أَوْ عَهْدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ: أَيْ صَيَّرَهُ جَدِيدًا. (1) وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 2 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّجْدِيدِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضِعِهِ: فَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى اخْتِلاَفِ اصْطِلاَحَاتِهِمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا تُوَافِقُ الْجُمْهُورَ، وَالأُْخْرَى أَنَّهُ لاَ فَضْل فِيهِ. (2) وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِلاِسْتِحْبَابِ: أَنْ يُصَلِّيَ بِالأَْوَّل صَلاَةً وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُصَل بِهِ صَلاَةً فَلاَ يُسَنُّ التَّجْدِيدُ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَل لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. (3) وَيَشْتَرِطُ الأَْحْنَافُ أَنْ يَفْصِل بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ بِمَجْلِسٍ أَوْ صَلاَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْصِل بِذَلِكَ كُرِهَ، وَنُقِل عَنْ بَعْضِهِمْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّجْدِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَفْصِل بِصَلاَةٍ أَوْ مَجْلِسٍ. (4) وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لاِسْتِحْبَابِ التَّجْدِيدِ أَنْ يَفْعَل بِالأَْوَّل عِبَادَةً: كَالطَّوَافِ أَوِ الصَّلاَةِ، (5) وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ حَدِيثُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ (6) وَقَدْ كَانَ الْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُل صَلاَةٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُهُ وَيَتْلُو قَوْله تَعَالَى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . .}} (7) الآْيَةَ وَلأَِنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْوُضُوءُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ لِكُل صَلاَةٍ فَنُسِخَ وُجُوبُهُ، وَبَقِيَ أَصْل الطَّلَبِ (8) ر: مُصْطَلَحَ (وُضُوءٌ) . تَجْدِيدُ الْمَاءِ لِمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ: 3 - ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ سُنَّةٌ، وَلاَ تَحْصُل السُّنَّةُ إِلاَّ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (9) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ: مَسْحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ. (10) . تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ وَالْحَشْوِ لِلاِسْتِحَاضَةِ: 4 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ وَالْحَشْوِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ، قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ، وَقِيل: لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ لاَ مَعْنَى لإِِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِهَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَظْهَرِ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ، وَلَمْ تَزُل الْعِصَابَةُ عَنْ مَحَلِّهَا، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِ الْعِصَابَةِ أَوْ زَالَتْ عَنْ مَحَلِّهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّجْدِيدُ قَوْلاً وَاحِدًا عِنْدَهُمْ. (11) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُهَا إِعَادَةُ شَدِّ الْعِصَابَةِ وَغَسْل الدَّمِ لِكُل صَلاَةٍ، إِذَا لَمْ تُفَرِّطْ فِي الشَّدِّ. وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِاسْتِحْبَابِ الْحَشْوِ أَوِ الْعِصَابَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ تَقْلِيلاً لِلنَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّجْدِيدِ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ وُجُوبِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ أَصْل الْعِصَابَةِ. وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (12) تَجْدِيدُ نِكَاحِ الْمُرْتَدَّةِ: 5 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ارْتَدَّتْ، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَى الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ تُقْتَل، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تُقْتَل، بَل تُحْبَسُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ. وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّتِ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ، تُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ زَوْجِهَا، وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، إِذَا رَغِبَ زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ لَهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، وَلِكُل قَاضٍ أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ بِمَهْرٍ يَسِيرٍ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) . وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَنِ الإِْسْلاَمِ بَعْدَ الدُّخُول انْفَسَخَ النِّكَاحُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَكَانَتِ الْعِدَّةُ قَائِمَةً وَجَبَ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الأَْوَّل. وَإِنْ لَمْ يَعُدِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ، وَتَبْدَأُ الْعِدَّةُ مُنْذُ الرِّدَّةِ. (13) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) . __________ (1) لسان العرب، والمصباح مادة: " جدد ". (2) المغني لابن قدامة 1 / 143. (3) مغني المحتاج 1 / 74. (4) حاشية ابن عابدين 1 / 81. . (5) مواهب الجليل 1 / 302. (6) القرطبي 6 / 81 وحديث: " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " أخرجه الترمذي (1 / 87 - ط الحلبي) وقال: وهو إسناد ضعيف. (7) سورة المائدة / 6. (8) مغني المحتاج 1 / 74. (9) مغني المحتاج 1 / 60، والإنصاف 1 / 135، ومواهب الجليل 1 / 248. (10) حاشية ابن عابدين 1 / 82 - 83. (11) مغني المحتاج 1 / 112. (12) الإنصاف 1 / 377، والطحطاوي على مراقي الفلاح 80 ط دار الإيمان دمشق. (13) البحر الرائق شرح كنز الدقائق 3 / 230، وحاشية ابن عابدين 2 / 392، والمغني مع الشرح الكبير 7 / 565 - 566. |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
10 - التجديد
لغة: مصدر"جددّ الشيء أى صيّره جديدا" كما فى لسان العرب (1). ومفهوم التجديد: الاحتفاظ بالقديم، وترميم ما بلى منه، وإدخال التحسين عليه، "لأن التجديد إنما يكون لشيء قديم " (2). وفى الحديث الشريف "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ومعناه: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وتبيين السنة من البدعة، ونصرة أهل السنة وكسر أهل البدعة (3). واصطلاحا: فى الفقه: هو تنميته من داخله وبأساليبه هو مع الاحتفاظ بخصائصه الأصيلة وبطابعه المميز، (4) وإعطاء إجابات إسلامية على مشاكل العصر وما يستجد من قضايا ومعضلات (5). ويكون بوصل الفقه بالحديث، والمقارنة بين المذاهب، وبين الفقه والقانون، ورعاية أقوال الصحابة والتابعين (6) واستخدام القواعد باستنارة كقاعدة (أينما وجدت المصلحة فثَمّ شرع الله)، وقاعدة (المعاملات طلق) وإعادة النظر فى مسائل الأصول التى لم يرتفع الخلاف فيها بعد (7). ومما تم فى هذا المجال. قانون الوصية الواجبة، وإصلاح الأحكام التقليدية للأسرة، وتكوين نظرية التعسف فى استعمال الحق. ولعل قاعدة المصلحة هى التى سوغت تحريم زواج الصغار، ووجوب توثيق الزواج فى القانون الإيرانى). ثانياً: فى التفسير (المحتفظ بالأصول القديمة): عبارة عن الإفادة من مستحدثات المدنية الجديدة، وحسن تطبيق المفاهيم القرآنية على ما يشغل الناس فى العصور الحديثة، بالتوسع فى المعنى، وبحمل الشبيه على الشبيه، والاهتمام بالتمدن الإسلامى، والسياسة، وقضية المرأة، ومسألة الإصلاح الاقتصادى، والجانب التهذيبى (8). ومن التجديد: التفسير الموضوعى، وهو الذى تجمع فيه الآيات ذات الموضوع المقصود لفهمه وتفسيره بشكل صحيح كامل. ومنه: التفسير الأدبى النفسى، وهو الذى يتم فيه إحراز معان متجددة، عن طريق الحس اللغوى والدلالة الأولى للكلمة فى عصر نزول القرآن. ومنه ما استفيد فيه بعلم طبقات الأرض وغزو الفضاء وعالم البكتريا وغيرها، أسوة بما تضمنه التفسير منذ عصوره الأولى من آراء مستقاة من علوم الطب والهندسة والهيئة والجدل (9). وثالثاً: فى الأدب: وهو ماثل فى المسرحية والرواية والقصة القصيرة، وما يحكم هذه الفنون الجديدة من قواعد للآداب العالمية الحديثة بجانب جذور تراثية عربية. واستجدت فى القصيدة العربية موضوعات وصور وأخيلة. واخترعت "قصيدة النثر" وهى لا صلة لها بتاتا بالشعر العربى بمفهومه الأصيل، وتعتمد على بعض الصور الخيالية الغربية، وظهر "الشعر الحر" وهو- وإن لم يقطع صلته تماماً بعروض الخليل لا يلتزم طولا واحدا ولا قافية واحدة ولا شكلا منتظما للتقفية. واستتبع التجديد دراسات أدبية ونقدية تحدد القواعد الفنية للمسرحية والرواية والقصة القصيرة، وتتحدث عن التطورات التى طرأت على القصيدة العربية الحديثة. وأصبحت الدراسات الأدبية غاية، ووُصِلَتْ بعلم النفس، وعادت على نفسها بالنقد لبعض المسَلَّمات فى الفهم والنقد والتاريخ الأدبى، وتحولت دراسة البلاغة والنحو إلى الطريقة الذوقية الفنية (10). رابعاً: فى الحركات الإسلامية الحديثة: 1 - فى الحركة الوهابية، فهى دعوة إلى تنقية مفهوم الإسلام والفكر الإسلامى من مفاهيم الجبرية والحلول والاتحاد فى (العقيدة)، ومفاهيم التقليد فى مجال (الفقه والشريعة). 2 - وفى الحركة السنوسية، فهى دعوة إلى تنقية (العقيدة) من الشوائب، وتطهير (السنن المحمدية) من الأساطير، والمزج بين (المذاهب الفقهية) الأربعة والإضافة إليها من المذاهب التى لم يعد لها أتباع، ومن المستنبطات الجديدة من السنة، والاعتماد على الإطار (الصوفى) المؤسس على الكتاب والسنة. 3 - وفى الحركة السلفية، حركة الإصلاح الفكرى والدينى، فهى دعوة إلى التضامن الإسلامى، والتأليف بين السنة والشيعة، ومقاومة، الإمبريالية الأوروبية عن طريق العودة إلى الإسلام، فى وضع حديث علمى الطابع، والتوفيق بين الدين والعلم، وفتح باب الاجتهاد، وتنوير المهمة التربوية (11). هذا وما يسمى تجديدا فى الشرق الإسلامى ما هو إلا تقليد لفكر الغرب، وقد يكون تقليدا محرفا وهو تطرف تلتمس فيه حضارة الغرب دون التقيد بالقيم الإسلامية والتراث. أ. د/ عبد الغفور محمود مصطفى __________ المرجع 1 - المعجم الوسيط، ولسان العرب، مادة (جدد). 2 - الفقه الإسلامى بين الأصالة والتجديد للدكتور يوسف القرضاوى ص 27 دار الصحوة للنشر ط 1 سنة 1406 هـ. 3 - انظر فيض القدير للمناوى وهامشه 2/ 281 - 282 طبعة دار الفكر بدون تاريخ. وفيه أن الحديث أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقى فى كتاب المعرفة عن أبى هريرة، قال الزين العراقى وغيره: "سنده صحيح ". 4 - القرضاوى السابق 26. 5 - ردود على أطروحات علمانية ص (50 - 51) تأليف منير شفيق ط 1 سنة 1413 هـ دار النشر الدولى بالرياض. 6 - راجع القرضاوى السابق 31 - 41. 7 - القرضاوى السابق 40 - 41. 8 - القرضاوى السابق 75، و (فى تاريخ التشريع الإسلامى) تأليف ن. ج كولسون ترجمة وتعليق د. محمد أحمد سراج- مراجعة د. حسن الشافعى ص (374، 378، 17 4) طبعة أولى 2 0 4 1 هـ الناشر دار العروبة بالكويت إشراف دار الصحوة بالقاهرة. 9 - الإسلام دعوة عالمية للعقاد ص (135 - 156) المكتبة العصرية، بيروت، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير لأمين الخولى (ص 333، 216، 217، وهامش ص 237) الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995 م، بحوث فى علوم القرآن الكريم للدكتور/ عبد الغفور محمود مصطفى (97، 99) ط 1 دار التوفيق النموذجية سنة 1985 م. 10 - مناهج تجديد .. السابق ص 247 - 255، النقد الأدبى الحديث للدكتور محمد غنيمى هلال، الشعر العربى المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية للدكتور عز الدين إسماعيل، الرواية فى الوطن العربى، للدكتور /على الراعى، المسرح فى الوطن العربى له أيضا. 11 - اليقظة الإسلامية لأنور الجندى ص (50، 5 5، 77، 80، 82، 96، 111)، طبعة دار الاعتصام بدون تاريخ، والفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى، للدكتور/ محمد البهى ص (177، 199) الطبعة الثامنة سنة 1395 هـ الناشر مكتبة وهبة. |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
ومن فجائع هؤلاء الحكام المتنازعين على التحكم بالشعوب أنهم يستحلون نهب تلك الشعوب، فهؤلاء جماعة بركيارق نهبوا البلاد التي مروا فيها، من بغداد إلى واسط.
والخليفة المستظهر بالله وقد أيقن برحيل بركيارق، بل ربما كان متوقعا موته -أسرع فأرسل إلى محمد توقيعا يتضمن الامتعاض من سوء سيرة بركيارق ومن معه والاستبشار بقدومه! .. ويقول ابن الأثير: وخرج الخلق كلهم إلى لقائه!. على أن إقامة محمد وأخيه سنجر لم تمتد في بغداد أكثر من حوالي شهرين قصدا بعدهما العودة إلى موقعيهما: محمد إلى همذان، وسنجر إلى خراسان. وإذا كان جماعة بركيارق قد نهبوا البلاد من بغداد إلى واسط، ثم نهبوا واسط نفسها كما سيأتي، فإن جيش محمد الذاهب إلى همذان لم يقصر هو الآخر في النهب، فيقول ابن الأثير عنهم: فنهبوا البلاد وخربوها! .. بركيارق من جديد يبدو أن مماشاة الخليفة لمحمد وطعنه ببركيارق قد بلغت بركيارق، فاعترض المنتمين إلى الخليفة في واسط، وأسمعهم من القول في الخليفة ما قال ابن الأثير: أنه يقبح نقله، وبلغ ذلك الخليفة فأرسل يطلب إلى محمد العودة إلى بغداد فعاد، وإذا كان ابن الأثير يقول إن الخليفة عزم على الحركة مع محمد لقتال بركيارق، فلنا أن نقول: إن استدعاء الخليفة لمحمد لم يكن في الأصل للانضمام إليه في مهاجمة محمد، بل خوفا من أن يستفرد بركيارق الخليفة فينقض عليه في بغداد. على أن محمدا طمأن الخليفة بأنه يستطيع وحده تأديب بركيارق ولا حاجة لمسير الخليفة معه، وبالفعل ترك محمد بغداد معاودا السير إلى مقصده. أما بركيارق الذي وصل إلى واسط مريضا، فإن وصوله إليها أرعب عسكر واسط، كما أرعب أهلها؛ لأن الجميع لا يدرون أي موقف يتخذونه منه، فإذا |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد البيعة للمنصور ثم ولده المهدي.
151 - 768 م جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد البيعة بين الطائع وبين شرف الدولة.
377 صفر - 987 م عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدولة وجددت البيعة بين الطائع وبين شرف الدولة بن عضد الدولة وكان يوما مشهودا، ثم في ربيعها الأول ركب شرف الدولة من داره إلى دار الخليفة وزينت البلد وضربت البوقات والطبول والدبادب، فخلع عليه الخليفة وسوره وأعطاه لواءين معه، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، ولما قضيت البيعة دخل شرف الدولة على أخته امرأة الخليفة فمكث عندها إلى العصر والناس ينتظرونه، ثم خرج وسار إلى داره للتهنئة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد البيعة لشرف الدولة.
415 - 1024 م ألزم الوزير جماعة الأتراك والمولدين والشريف المرتضى ونظام الحضرة أبا الحسن الزينبي وقاضي القضاة أبا الحسن بن أبي الشوارب، والشهود، بالحضور لتجديد البيعة لشرف الدولة، فلما بلغ ذلك الخليفة توهم أن تكون هذه البيعة لنية فاسدة من أجله، فبعث إلى القاضي والرؤساء ينهاهم عن الحضور، فاختلفت الكلمة بين الخليفة وشرف الدولة، واصطلحا وتصافيا، وجددت البيعة لكل منهما من الآخر. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
السلاجقة يحطمون هجمات صليبية جديدة.
493 - 1099 م في ذي القعدة من هذه السنة لقي كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معلماً للتركمان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما، بيمند الفرنجي، وهو من مقدمي الفرنج، قريب ملطية، وكان صاحبها قد كاتبه، واستقدمه إليه، فورد عليه في خمسة آلاف، فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم بيمند وأسر. ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى قلعة تسمى أنكورية، فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فيها إسماعيل بن الدانشمند، وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعاً كثيراً، ولقي الفرنج، وجعل له كميناً، وقاتلهم، وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلاً وأفلتوا مجروحين. وسار ابن الدانشمند إلى ملطية، فملكها وأسر صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
دعوة البابا للقيام بحملة صليبية جديدة.
540 - 1145 م بعد أن سقطت الرها من يد الصليبيين قام ملك القدس بتوجيه رسالة استغاثة إلى البابا أوجين الثالث فكان لها الأثر القوي في الأوساط البابوية، فقرر البابا تأليف حملة صليبية ثانية وكلف القدييس برنارد كليرفو بالدعوة لهذه الحملة فقام بها في مؤتمرات عقدها في مدن فرنسا وألمانيا وأثار حماس الناس فأقبلوا للتطوع في الحملة ومنهم تألفت الحملة الصليبية الثانية. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حلف جديد بين إمبراطور بيزنطة وملك القدس الصليبي ضد نور الدين الزنكي.
552 - 1157 م تحالف بودان الثالث ملك بيت المقدس مع الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين وزوجه ابنته تيودورا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الدعوة لحرب صليبية جديدة.
645 - 1247 م بعد أن استخلص المسلمون البلاد من يد الفرنج في فلسطين وبلغ الخبر إلى أوربا لاستنفار أمرائها وملوكها، انعقد مجلس كنسي في ليون تقرر فيه إرسال حملة صليبية تاسعة بزعامة ملك فرنسا لويس التاسع المشهور بورعه حتى لقب بالقديس، فأعد هذا الملك العدة وجهز جيشا أبحر أواخر هذه السنة متجها إلى الشرق، وقد تم وصول خبر هذه الحملة إلى الصالح نجم الدين صاحب مصر عن طريق فردريك الثاني. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
المغول يقتلون الخليفة العباسي الجديد في بغداد.
660 محرم - 1261 م سار قرابغا مقدم التتار من بغداد - وكان قد استخلفه هولاكو عليها عند عوده إلى بلاد الشرق - يريد لقاء الخليفة المستنصر بالله ومحاربته، فنهب الأنبار وقتل جميع من فيها، وتلاحقت به بقية التتار من بغداد، ولقيهم الخليفة وقد رتب عسكره، فجعل التركمان والعرب جناحي العسكر، واختص جماعة جعلهم في القلب، وحمل بنفسه على التتار فكسر مقدمتهم، وخذله العرب والتركمان فلم يقاتلوا، وخرج كمين للتتار ففر العرب والتركمان، وأحاط التتار بمن بقي معه فلم يفلت منهم سوى الأمير أبي العباس أحمد الذي قدم إلى مصر بعد ذلك وتلقب بالحاكم بالله، والأمير ناصر الدين بن مهنا، والأمير ناصر الدين بن صيرم، والأمير سابق الدين بوزبا الصيرفي، والأمير أسد الدين محمود، في نحو الخمسين من الأجناد، ولم يعرف للخليفة خبر فيقال قتل بالمعركة في ثالث المحرم، ويقال بل نجا مجروحاً في طائفة من العرب فمات عندهم، وكانت هذه الواقعة في العشر الأول من المحرم، فكانت خلافته دون السنة، وبلغت نفقة الملك الظاهر على الخليفة والملوك المواصلة ألف ألف دينار وستين ألف دينار عيناً. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
السلطان الناصر محمد بن قلاوون يعمل باباً جديدا للكعبة.
733 ذو القعدة - 1333 م عمل السلطان الناصر محمد بن قلاوون بابا من خشب السنط الأحمر، وصفحه بفضة زنتها خمسة وثلاثون ألف درهم وثلاثمائة درهم ومضى به الأمير سيف الدين برسبغا الساقي إلى مكة، فقلع باب الكعبة العتيق، وركب هذا الباب وأخذ بنو شيبة الباب العتيق، وكان من خشب الساسم المصفح بالفضة، فوجدوا عليه ستين رطلاً من فضة تقاسموها فباعوها كل درهم بدرهمين، لأجل التبرك، (وهذا خطأ من وجهين الأول أنه ربا والثاني أنه لا يتبرك بمثل هذه الأشياء وإن كانت بابا للكعبة) وترك خشب ذلك داخل الكعبة، وعليه اسم صاحب اليمن في الفردتين، واحدة عليها: اللهم يا ولي يا علي اغفر ليوسف بن عمر بن علي. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قدوم الفرنج إلى مصر يطلبون تجديد الصلح والنصرة على متملك قبرص.
767 رجب - 1366 م في أول شهر رجب قدم الخبر، بوصول رسل الفرنج إلى ميناء الإسكندرية، وأنهم طلبوا رهائن عندهم، حتى ينزلوا من مراكبهم ويردوا رسالتهم، فلم تؤمن مكيدتهم، واقتضى الحال إجابتهم، فأخرج من سجن الوافي - المعروف بخزانة شمايل - جماعة وجب قتلهم، وغسلوا بالحمام، وألبسوا ثياباً جميلة، وسافروا إلى الإسكندرية، فأكرمهم النايب، وأشاع أنهم من رؤساء الثغر، وبعث بهم إلى الفرنج، وشيع خلفهم نساء وصبيانا، يصيحون، ويبكون، كأنهم عيالهم، وهم يخافون الفرنج عليهم، فمشى ذلك على الفرنج، وعلى أهل الثغر لانتظام حال المملكة، وملاك أمرها، وجودة تدبيرها، فتسلم الفرنج الجماعة ونزلت رسلهم من المراكب، وقدموا إلى قلعة الجبل، وقد عدى السلطان إلى سرحة كوم برا بالجيزة، فحملوا إلى هناك، وجلس لهم الأمير يلبغا الأتابك، وقام الأمراء والحجاب بين يديه وأدخلوا عليه فهالهم مجلسه، وظنوا أنه السلطان، فقيل لهم هذا مملوك السلطان، فكشفوا عن رءوسهم، وخروا على وجوههم يقبلون الأرض، ثم قاموا، ودنوا إليه وناولوه كتاب ملكهم، وقدموا هديته إليه، ففرق ذلك بحضرتهم فيمن بين يديه، واختار منه طشطا وأبريقاً من ذهب، وصندوقاً لم يعرف ما فيه، وتضمنت رسالتهم، أنهم في طاعة السلطان ومساعدوه على متملك قبرص، حتى ترد الأسرى، التي أخذت من الإسكندرية، ويعوض المال وسألوا تجديد الصلح، وأن يمكن تجارهم من قدوم الثغر، وأن تفتح كنيسة القيامة بالقدس، وكانت قد غلقت بعد واقعة الإسكندرية، فأجابهم، بأنه لابد من غزو قبرص، وتخريبها، ثم أخرجوا، فأقاموا بالوطاق ثلاثة أيام، وحملوا إلى دار الضيافة بجوار قلعة الجبل، فلما عاد السلطان من السرحة، وقفوا بين يديه، وقدموا هديتهم، وأدوا رسالتهم، فلم يجابوا، وأعيدوا إلى بلادهم خائبين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(البابا أوجانيوس) الرابع يعلن قيام حرب صليبية جديدة ضد المسلمين، ولقي نداؤه ترحيبا في بولندة والمجر وألمانيا وفرنسا.
847 - 1443 م قام البابا أغانيوس الرابع بالدعوة لحرب صليبية ضد العثمانيين، وخاصة أن مراد هزم أكثر من مرة وخاصة أمام المجريين، ولاقت هذه الدعوة ترحيبا كبيرا في بولندا والمجر والنمسا وألمانيا وفرنسا، وتعاقدوا على جيش يقوده ملك المجر جان هونياد. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(جديد مضاف) ثلوج بالأحساء تسبب معوقات في أثناء عودة الحجيج.
888 محرم - 1483 م حصل على الحجيج في وقت رجوعهم في الإحساء مشقة عظيمة، لم يعهد مثلها، وذلك بسبب الثلج الذي نزل عليهم، وقتل به خلق كثير وجمال، وذهب للناس أموال لا تعد ولا تحصى. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(جديد مضاف) غلو أسعار القمح والشعير بدمشق.
892 ذو الحجة - 1487 م غلا سعر القمح والشعير، وبرز مرسوم الحواط بالمناداة بدمشق، بأن لا يبيع حاضر لجلاب قمحاً ولا شعيراً، فتخبطت دمشق؛ وزادت الأسعار وصغر قطع الخبز، وطلبه الناس، وبيعت غرارة القمح بأربعمائة وعشرين، والشعير بمائة وسبعين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(جديد مضاف) وقوع ثلج كثير بدمشق وما حولها.
896 محرم - 1490 م وقع بدمشق وما حولها ثلج كثير، واستمر إلى نصف النهار، فحصل في الأسطحة نحو ذارع، وتكسر بذلك كثير من الأشجار، سيما أشجار الزيتون، وكان الحطب قد غلا سعره وبلغ قنطار اليابس منه إلى نحو الثلاثين درهماً، فرخص سعره من يومئذٍ، واستمر الثلج في بعض الطرق وغيرها نحو عشرين يوماً، وكان آخره بمدينة زرع، وإلى مدينة حماة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(جديد مضاف) وقوع ثلوج وغلو في الأسعار.
899 ربيع الثاني - 1494 م في هذه الأيام تضاعف وقوف حال الناس بسبب كثرة وقوع الثلج والجليد من أول الأصم إلى آخره، حتى وصل الثلج إلى مصر على ما قيل، وماتت دواب كثيرة، وغلا سعر اللحم حتى صار رطله بخمسة دراهم، وسعر القمح حتى صارت الغرارة بنحو الأربعمائة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء البرتغال على ساحل البريجة وبناؤهم مدينة الجديدة.
907 - 1501 م بعث سلطان البرتغال منويل من دار ملكه أشبونة عمارة في البحر للاستيلاء على بعض ثغور المغرب فألجأهم هيجان البحر وموجه إلى ساحل البريجة فيما بين آزمور وتيط وكانت البريجة بناء متخذا هنالك للحراسة ونحوها وكان يسمى برج الشيخ، فنزلت طائفة منهم إلى البر فتطوفوا بالبريجة وما حولها وأعجبهم المكان فعزموا على المقام به وشرعوا في إدارة السور على قطعة من الأرض فنذر بهم أهل تلك البلاد من المسلمين وتسابقوا إليهم على الصعب والذلول ففر النصارى إلى البريجة وتحصنوا بها وأفسد المسلمون كل ما كانوا عملوه في تلك الأيام وأحجروهم بحصنهم ووضعوا عليهم الرصد إلى أن فتر عزمهم وأيسوا من نجاح سعيهم فعاد جلهم أو كلهم إلى أشبونة .. وقد خططوا للعودة إلى هذا الموضع المذكور فانتهوا إليه بعد سبع سنين من مقدمهم الأول وتحينوا غفلة أهل البلاد وشرعوا في بناء حصن مربع على كل ربع منه برج وثيق ودأبوا في العمل ليلا ونهارا فلم تمض مدة يسيرة حتى فرغوا منه وامتنعوا على المسلمين به، ثم شرع نصارى البرتغال بعد الفراغ من الحصن المذكور في إدارة سور المدينة على أوثق وجه وأحكمه. ثم أداروا خارج السور خندقا فسيحا وجعلوا عمقه أربعة عشر شبرا بحيث بلغوا به الماء وإذا فاض البحر ملأ ما بين جوانبه واتخذوا للمدينة ثلاثة أبواب أحدها للبحر، واثنان للبر وجعلوا أمامهما قنطرتين بالعمل الهندسي بحيث ترفعان وتوضعان وقت الحاجة إلى ذلك فصارت المدينة بهذا كله في غاية المناعة، وجعلوا داخل المدينة خمس حارات وسموا كل حارة باسم كبير من قدمائهم على عادتهم في ذلك. واتخذوا بها أربع كنائس واتخذوا المخازن والأهراء للاختزان وسائر المرافق. وأوطنوها بأهلهم وعيالهم وكان فيها جماعة من أشرافهم وذوي بيوتاتهم من أهل أشبونه وغيرها وكانوا يعدون فيها أربعة آلاف نفس ما بين المقاتلة والعيال والذرية، وكانوا يأملون الاستيلاء منها على مراكش |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(البابا ليو العاشر) يفزع من انتصارات (سليم الأول) ويشرع في الإعداد لحرب صليبية جديدة.
923 - 1517 م لم يلبث السلطان سليم الأول أن يفرغ من انتصاراته حتى دب الرعب والفزع في قلوب الصليبيين وما استطاعت الدولة العثمانية أن تحرزه من ضم للبلدان الأوربية إليها حتى تصبح تحت سيطرتها، فحدا هذا بالبابا ليو العاشر الذي كانت أيضا بينه وبين غيره من النصارى منافسات فقام في هذه السنة, بالنداء لحرب صليبية ضد الدولة العثمانية مانحا صكوك الغفران (كالعادة) ومثيرا في النصارى عزائم الواجب المقدس لخدمة الصليب، لكن هذه الدعوة لم تلق سوى هزائم ولم تلق أي انتصار. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
معاهدة بين العثمانيين والفرنسيين وامتيازات أجنبية جديدة.
935 - 1528 م إن أوروبا التي كانت تعيش انقسامات سياسية ودينية خطيرة، أدى ذلك إلى أن تنوعت مواقف الدول الأوروبية من الدولة العثمانية حسب ظروف كل دولة، وكان تشارلز الخامس ملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة ينافس فرانسوا الأول ملك فرنسا على كرسي الحكم للإمبراطورية الرومانية، وكان البابا ليو العاشر منافساً للراهب الألماني مارتن لوثر زعيم المقاومة البروتستانتية، وكانت بلغراد تعاني من اضطرابات داخلية بسبب صغر سن ملكها لويس الثاني مما أدى إلى نشوب النزاع بين الأمراء ولهذا رأى فرانسوا الأول أن يستغل مكانه وقوة الدولة العثمانية ويكسبها صديقاً له، فوقف منه موقف التودد والرغبة في الوفاق معتقداً أن الدولة العثمانية هي التي ستحد من طموحات تشارلز الخامس وتوقفه عند حده، فبدأت مفاوضات فرنسا مع الدولة العثمانية بعد معركة "بافيا" التي أسر فيها ملك فرنسا "فرانسوا الأول" عام 931هـ فأرسلت والدته والوصية على العرش مبعوثها "جون فرانجيباني" ومعه خطاب منها وخطاب من الملك الأسير يطلبان فيهما مهاجمة قوات عائلة الهابسبرج وإطلاق سراح الأسير، وعلى الرغم من أن الأسير أطلق بموجب معاهدة تم عقدها في مدريد بين فرنسا وأسرة الهابسبرج سنة 1526م، إلا أن فرنسوا، بعد إطلاق سراحه أرسل في عام 941هـ سكرتيره "جان دي لافوريه" إلى السلطان سليمان بهدف عقد تحالف في شكل معاهدة، سُميت فيما بعد بـ "معاهدة الامتيازات العثمانية الفرنسية"، ونظراً لما ستكون عليه هذه المعاهدة من أهمية كبرى بعد ذلك نورد هنا أهم نصوصها: حرية التنقل والملاحة في سفن مسلحة وغير مسلحة بحرية تامة، حق التجارة والمتاجرة في كل أجزاء الدولة العثمانية بالنسبة لرعايا ملك فرنسا، تدفع الرسوم الجمركية وغيرها من الضرائب مرة واحدة في الدولة العثمانية، الضرائب التي يدفعها الفرنسيون في الدولة العثمانية هي نفسها التي يدفها الرعايا الأتراك، حق التمثيل القنصلي، مع حصانة قنصلية ولأقاربه وللعاملين معه، من حق القنصل الفرنسي النظر في القضايا المدنية والجنائية التي يكون أطرافها من رعايا ملك فرنسا، وأن يحكم في هذه القضايا وإنما للقنصل الحق في الاستعانة بالسلطات المحلية لتنفيذ أحكامه، في القضايا المختلفة التي يكون أحد أطرافها رعية من رعايا السلطان العثماني، لا يستدعي ولا يستجوب رعية الملك الفرنسي ولا يحاكم إلا بحضور ترجمان القنصلية الفرنسية، إفادات رعية الملك في القضايا مقبولة ويؤخذ بها عند إصدار الحكم، حرية العبادة لرعايا الملك، منع استعباد رعية الملك، وكان من نتائج هذه المعاهدة زيادة التعاون بين الأسطولين الفرنسي والعثماني، لقد كانت تلك الامتيازات التي أعطيت للدولة الفرنسية أول إسفين يدق في نعش الدولة العثمانية ظهرت آثاره البعيدة فيما بعد. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء السلطان محمد الشيخ السعدي على مراكش وتجديد البيعة له.
951 - 1544 م كان السلطان أبو عبدالله الشيخ بعد القبض على أخيه واستقلاله بالأمر قد أقام بالبلاد السوسية مثابرا على جهاد العدو إلى أن قلع عروق مفسدته منها وكانت مراكش في هذه المدة قد توقفت عن بيعته وتربصت عن الدخول في دعوته اتقاء للوطاسيين وارتياء في أمره إلى ماذا يؤول؟! واستمر الحال إلى سنة إحدى وخمسين وتسعمائة فانقادت له حينئذ وبايعه أهلها فقدمها واستولى عليها وخلص له جميع ما كان بيد أخيه المخلوع من تادلا إلى وادي نول. والله غالب على أمره. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد المعاهدة بين العثمانيين والفرنسيين والإغارة على صقيلية.
959 - 1551 م هلك ملك فرنسا فرانسوا الأول فخلفه ابنه هنري الثاني الذي جدد المعاهدة مع العثمانيين في هذا العام, ثم أغار الطرفان على صقيلية وجنوبي إيطاليا وفتحت أساطيلهما جزيرة كورسيكا ثم اختلف قائدا الأسطولين فتركا الجزيرة وعاد كل منهما إلى بلده. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
السلطان العثماني مراد الرابع يقضي على ثورة الانكشارية وينشئ جيشاً جديداً.
1041 - 1631 م سيطر الجيش الانكشاري على السلطان في أول أمره لصغره، ثم إنه لم يلبث أن عرف أمور الحكم حتى بدأ بالقضاء على طغاة العسكر الذي قتلوا أخاه السلطان عثمان وأعدم جميع المتأسدين في استانبول وفي جميع أنحاء الدولة، وأسس تشيكلات قوية للمخابرات وثبت من خلالها أسماء جميع المستبدين في الدولة، وكان اذا صادف بلداً في أسفاره يدعوا مستبديها باسمهم ويعدمهم ومنع في عهده الخمر والتدخين وأعدم كل مرتد عن الإسلام. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
محاولة فرنسا تجديد الامتيازات في الدولة العثمانية.
1083 - 1672 م حاولت فرنسا التقرب من الدولة العثمانية، وتجديد الامتيازات، غير أن الصدر الأعظم رفض ذلك، ثم حاولت فرنسا التهديد حيث أرسل "لويس الرابع عشر" ملك فرنسا السفير الفرنسي مع أسطول حربي، وهذا مازاد الصدر الأعظم إلا ثباتاً، وقال: (إن الامتيازات كانت منحة، وليست معاهدة واجبة التنفيذ) ثم تراجعت فرنسا أمام تلك الإرادة الحديدية واستعملت سياسة اللين والخضوع للدولة العثمانية حتى جددت لها المعاهدات القديمة وأعادت لها امتياز حماية البيت المقدس عام 1084هـ. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تجديد أهل رأس الخيمة ولاءهم للإمام تركي بن عبدالله.
1244 - 1828 م كانت رأس الخيمة قد أعلنت ولاءها للدولة السعودية الأولى ولجأ إليها عدد من الذين فروا من الدرعية بعد استسلام الإمام عبدالله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وجدد أهل رأس الخيمة ولاءهم لتركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، حيث قدم إليه وفد منهم، فأرسل معهم قاضيا وسرية بقيادة عمر بن عفيصان لحمايتهم من خصومهم وأصبحت بذلك واحة البريمي مركزا للقوة السعودية في تلك الجهات. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قواعد فرنسية جديدة للجنسية التونسية.
1340 ربيع الأول - 1921 م قامت فرنسا بتطبيق قواعد جديدة للجنسية بتونس تجيز فيها سحب الجنسية التونسية من بعض المواطنين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
إصدار فرنسا قانونا جديدا يتعلق بالجنسية الفرنسية في تونس.
1341 شعبان - 1923 م أصدرت فرنسا قانونا جديدا في تونس يمنح الجنسية الفرنسية لكل من يطلبها، أو يظهر عواطف نحو فرنسا وبالتالي يصبح حاملها من رعايا فرنسا ويستحق حمايتها ودعمها، فرد المسلمون على هذا القانون اجتماعيًا وعقديًا، فقاطعوا كل مسلم طلب الجنسية الفرنسية، وعدوه خارجًا عن الإسلام لا يصح دفنه في مقابر المسلمين، وهذه القوة في مواجهة القانون، جعلت كثيرًا ممن أقدم على التجنس، يتخلى عن الجنسية الفرنسية ويعود لأصله، واغتاظ الفرنسيون بشدة من ذلك، وقام المستوطنون الفرنسيون بأعمال استفزازية ضد مسلمي تونس. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
صدور دستور جديد للبلاد في مصر.
1349 جمادى الأولى - 1930 م شهد عام 1930 صدور دستور جديد للبلاد، استمر العمل به لمدة خمس سنوات، ثم عادت البلاد مرة أخرى إلى دستور عام 1923، وذلك في عام 1935. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ضم القسم الغربي من جزيرة غينيا الجديدة (إيريان الغربية) إلى أندونيسيا.
1382 ذو الحجة - 1963 م جزيرة غينيا الجديدة أكبر جزر أندونيسيا وثاني أكبر جزر العالم، وتنقسم إلى قسمين القسم الغربي ويعرف باسم إيريان الغربية ولم تستطع أندونيسيا وهولندا الاتفاق عليها في معاهدة 1369هـ / 1949 في لاهاي فبقيت تحت السيطرة الهولندية، وبعد الضغط العسكري على هولندا جرى استفتاء عام بين السكان عام 1380هـ / 1960م فتحول الإقليم إلى إشراف الأمم المتحدة في 1382هـ / 1962م ثم انتهى الأمر إلى أن ضم إلى أندونيسيا في ذي الحجة 1382هـ / أيار 1963م ثم جرى استفتاء في ربيع الأول 1389هـ / حزيران 1969م فأعطت الغالبية من السكان أصواتهم إلى جانب البقاء تحت الحكم الأندونيسي، وعاصمة هذا القسم سوكارنابورا، والقسم الشرقي كان يتبع ألمانيا ثم صار إلى أستراليا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الشاذلي بن جديد رئيسا للجزائر بعد وفاة هواري بومدين.
1398 ذو الحجة - 1978 م توفي العقيد هواري بومدين (محمد بن إبراهيم بوخروبة) الرئيس الجزائري في أواخر عام 1398هـ فاجتمع المجلس العسكري وكتم الوفاة حتى اتفق أعضاؤه على تسليم أحدهم الرئاسة ووقع الاختيار على الشاذلي بن جديد، ولم يختلف عن أسلافه في الأخذ بالاشتراكية التي مقتها الناس الذين كانوا ينتظرون بعد ما قدموه من تضحيات أن ينالوا الحرية وينعموا بحكم الإسلام ولكنهم لم يروا سوى شعارات الاشتراكية الجوفاء والتردي في الأوضاع. |