وهي كقول الله هذا العبد ... يصدق فيما منه عنا يبدو
وكل من صدق كاذبا نمي ... للكذب الذي به ذاك رمي
وهو أي الكذب مستحيل ... في حق رب وصفه جليل
لأنه يخبر وفق علمه ... وذاك صدق ثابت في حكمه
(وهي) أي: المعجزة (كقول الله) تعالى (هذان العبد) الذي أرسلته (يصدق فيما) أي: في جميع الذي (منه عنا يبدو) أي: يظهر، فخلق المعجزة قائم مقام هذا القول المذكور.
قال إمام الحرمين في الإرشاد المرضى: عندنا أن المعجزة تدل من حيث تنزل منزلة التصديق بالقول وغرضنا تبيين ذلك بفرض مثال. فنقول: إذا تصدى ملك للناس وتصدر ليلج عليه رعيته واحتفل المجلس واحتشد وقد أرهق الناس شغل شاغل فلما أخذ كل مجلسه وترتب الناس على مراتبهم انتصب واحد من خواص الملك وقال: معاشر الأشهاد قد حزبكم أمر عظيم وأظلكم خطب جسيم وأتى رسول الله الملك إليكم ومؤتمنه لديكم ورقيبه عليكم ودعواي هذه بمرأى من الملك ومسمع فإن كنت أيها الملك صادقا في دعواي فخالف عادتك وجانب سجيتك وانتصب في صدرك ثم اقعد ففعل ذلك الملك على وفق دعواه ومطابقة هواه، فيستقين الحاضرون على الضرورة تصديقه إياه وتنزيل الفعل الصادر منه منزلة القول المصرح بالتصديق.
(وكل من صدق كاذبا) فيما أتى به (نمي) بالبناء للمفعول، أي: نسب ذلك الصدق (للكذب الذي به ذاك) أي: الكاذب (رمى) بالبناء للمفعول، يعني: أن من صدق الكاذب فهو كاذب وتصديقه له كذب.
وهو أي الكذب مستحيل) لا يتصور في العقل وجوده (في حق رب وصفه جليل) أي: عظيم قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] . (لأنه) تعالى (يخبر) بكلامه القديم وبما ينزل منزلة كلامه من الإشارات الحادثة التي منها ما أشار إليه البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] . أي: أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] . أي: ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: ألست بربكم؟! قالوا: بلى، فترك تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل